كل ما ورد في ملف فروقات الأسعار من أخذ ورد، وتبرير واتهام، وتعاطف وتهجم، من الممكن إسقاطه حالياً على أغلبية مناحي حياتنا، إذ إن الغوص كثيراً في المنطق، سيجعلك تبرر كل ما تراه أمامك، إن كان يرضيك أو لا يرضيك، فمن مثالب المنطق وامتداداته أنه يأخذك أحياناً رغماً عنك إلى حيث لا تريد الذهاب، وأستشهد هنا بمظفر النواب:
هل تصلُ اللبَّ؟ هناك النار طري ويزيدكَ عمقُ الكشفِ غموضاً
فالكشفُ طريقٌ عدمي
بالعودة إلى ملفنا، إن سمعت التاجر، ستبرر له كثيراً مما يقوم به، وإن سمعت المراقب التمويني، ستبرر له الكثير مما يقوم به، وبالطبع، إن استمعت إلى المواطن ستبرر له كل ما قام ويقوم وسيقوم به، وذلك لأنه صاحب المظلومية الأكبر بين الجميع، إن كان من ناحية أسعار المواد أو إيجارات المنازل أو المواصلات، أو أي شيء يتعلق بحياته التي باتت معلقة –حرفياً– في عقله بين حاضر لا يستطيع استيعابه، وماضٍ قريب لا يستطيع نسيانه أو نكرانه.
وفي مثل هذه الحالة، يقف المراقب من الخارج حائراً.. يصدق مَنْ؟ ويكذّب مَن؟ ويتعاطف مع مَنْ ضد مَنْ؟ بل يخشى في لحظة من اللحظات – ورغم وضوح الرؤية في بعض ما يجري – أن يطلق أحكاماً حتى ضد المسيئين، لأنه في قرارة نفسه لايزال يفسر ويبرر ويناقش، لا لشيء إلا ليكون منصفاً في حكمه، ولاسيما إن كان حكمه ومهمته تقتضي نقل الحقيقة التي قد يترتب على نقلها اتخاذ أحكام أخلاقية أو تنفيذية بحق أحد. يبدو الوضع معقداً أليس كذلك؟
نعم.. لكن حلّه بسيط رغم التعقيد، بسيط جداً، وهو أن تتولى الجهات المسؤولة والمختصة هذه المهمة عن المواطن وعن المراقب من الخارج، وأن تطبق القانون بحذافيره على الجميع، من دون استثناءات ولا مواربات ولا انتقائية، وبذلك ستقطع على الجميع تأويلاتهم وتعاطفهم أو تحاملهم، حيث للقانون والنظام سطوة، واحترام، ووجوب التزام.
وهذا حرفياً ما ننتظره، ننتظر ألا ينتظر حكمنا أحد، بل أن نُنفذ وتُنفذ علينا أحكام لا لبس فيها ولا مجال فيها للتراجع، أحكام تنصف الجميع، وتوضح للجميع مَنْ المذنب ومَنْ البريء، وتنهي حيرة مَنْ لا يملك سوى الحيرة.

print