اعتقدت في البداية أنه يمدّ لي لسانه ساخراً كعادة الأطفال الأشقياء في مثل عمره، ولاسيما أنني أكشّهم وأهشّهم من أمام البيت لكثرة الزعيق والضجيج والعجاج التي يثيرونها وهم يلعبون لعبة الحرب والكر والفرّ وقلع العيون ببندقيات الخرز والسيوف الخشبية.. لكن حين سألته ما بك يا «عبّودي»؟ بالكاد استطاع أن يجيبني بأن دبّوراً «حقيراً» لسعه وهو يأكل «النمّورة» من عمّو البيّاع.. ضحكت وتعاطفت معه، إذ بالفعل عادت بسطات الأكل والحلويات المكشوفة تتكاثر ليس في الحارات الشعبية فقط، بل حتى وسط المدينة وتحت جسورها وعلى أطراف حدائقها وبعض دوائر الخدمات الرسمية.. فواحدٌ يبيع الفلافل المقلية بزيت المحركات، وآخر يشوي «الفشافيش وحباشاتها» المعجونة بماذا؟. الله أعلم، وذاك فرش «صدر الهريسة» وجمَعَ فوقه كل غبرة الشارع وذبابه ودبابيره، أمّا بياعو العصير فيطرشون الجدران التي يقفون إلى جوارها بكل ألوان الصباغات والملوّنات التي يغشّون بها العصائر، لدرجة تعتقد معها أنهم تتلمذوا على يد الرسّامين «السورياليين» أو فناني ما بعد الحداثة والتكعيبيّة المتشظيّة!.
لا نعلم أين دوريات الرقابة الصحية من كل ذلك، وأين مفتشو التموين؟ لكنني لا أخفيكم أنني تمنّيت في سرّي لو أن تلك اللسعة التي أصابت «عبودي» الصغير، قد قرصت بعض المعنيين، ومثلهم أولئك الجشعين المتكاثرين في كل مكان، والذين يطلقون على وسائل الإعلام الوعود الطنّانة والتصريحات الرنانة مثل الدبابير تماماً، بينما هم في الحقيقة يمتصّون عسل الناس وحقوقهم ومدّخراتهم وآمالهم وأحلامهم، ويتركونهم ينتزعون أشواك قهرهم وتعتيرهم بأيديهم… والله لو حصل ذلك فعلاً لكان عندي أطيب من العوامة والمشبك والهريسة معاً حتى لو كانت من تلك التي تحتاج مطرقة وإزميلاً كي تفكّها عن بعضها!.
javados2004@yahoo.com

::طباعة::