على مدى العقود الأربعة الأخيرة من القرن العشرين ومطلع القرن الحادي والعشرين ظهر كثير من الأسماء النسائية في الحياة التشكيلية السورية كان لها حضورها المميز والمؤثّر منها على سبيل المثال لا الحصر، إقبال قارصلي (1925-1969) وخالصة هلال (1940) وليلى نصير (1941) وهند زلفة (1942) وأسماء فيومي (1943) ولجينة الأصيل (1946) وهالة مهايني (1947) وسهام منصور (1949) وسوسن جلال ورباب أحمد (1970) وسارة شمة وريما حمزة، وغيرهن الكثير ممن أبدعن في مجالات الفنون التشكيلية المختلفة من حفر وغرافيك وخزف، لكن على الرّغم من هذا كله لم تصل هذه التجارب كحال تجارب أنثوية في بلاد عربية وغربية أيضاً إلى العالمية التي بقيت حكراً على الفنانين التشكيليين من دون الفنانات.
الفصل بين التشكيليين والتشكيليات يبدو للوهلة الأولى ضرباً من التعسف، لكنه في الحقيقة واقع موجود منذ أمد شئنا أم أبينا، وساهمت في ترسيخه عوامل عدّة منها وجود معارض للفنانات التشكيليات من دون الفنانين، إضافةً إلى ما سبق ذكره عن تصدر الفنانين التشكيليين عالمياً، ويبقى السؤال: ما السمة الغالبة على الفن التشكيلي الأنثوي في سورية؟ وهل استطاعت التشكيلية السورية ترك بصمتها الخاصة؟

يجيب الفنان التشكيلي موفق مخول: بالطبع توجد فنانات مهمات في الحركة التشكيلية السورية، لكن مع الأسف قلائل جداً، أغلب الفنانات يرسمن فقط للحضور الشخصي والإعلامي، لكن حضورهن الفني ضعيف كلوحة لا يزال مصدر حيرة وجدل في الحركة التشكيلية، والغلط الأكبر ما زلنا  نقول:  لوحة، أنثى اللوحة، هي لوحة بغض النظر عن الجنس، اللوحة هي عمل إنساني وإبداعي وفيه رسالة للحياة، والأنثى في المجتمعات المتخلفة تبحث عن حضور اجتماعي لها من خلال اللوحة تبحث عن وجود، إذا قسنا عدد حضور الأنثى في وظائف الدولة نشاهد أنّ عدد الفنانات قليل جداً أمام هذا العدد الكبير من الموظّفات، علماً أن الفن التشكيلي فيه سلام  حب أقرب إلى روح الأنثى من الرجل، لاتزال الأنثى هي التي ظلمت نفسها إبداعياً… إنها تساير المجتمع.. لا توجد ثورة فنية أنثوية.
جواب جمع إيجاز آراء تشكيليين آخرين، نطرحها على تشكيليات سوريات لهن حضورهن وتجربتهن من مختلف الأجيال والمجالات، والسؤال عن الحضور الضعيف والمشاركة في المعارض لأجل الحضور الشخصي والإعلامي فقط؟  تجيب التشكيلية نهى جبارة: التشكيلية السورية لا تختلف أبداً عن التشكيلي السوري من حيث الجدية في طرح المواضيع ودراستها وأسلوبها، لكن الأعباء التي تحملها من ظروف الحياة، البيت والأولاد والوظيفة تجعلها مقصرة في الإنتاج الفني إلى حد ما وهي نسبة تختلف من فنانة إلى أخرى، أما بالنسبة للحضور الشخصي والإعلامي، فالتشكيلية توجد بالمعارض لأسباب عدّة، بالنسبة إليّ أحضر المعارض سواء كنت مشاركة أم لا لمعرفة تجارب الآخرين وإغناء الذائقة البصرية وتطويرها وهل أنا أسير في عملي إلى الأمام أم لا.
رأي تؤيده التّشكيلية مفيدة الدّيوب، تقول: الحضور مهم جداً حتى لو لم تشارك الفنانة، أو الفنان -يجب أن تحضر وتواكب الحركة وعلى الرّغم من الأزمة كل أسبوع كان هناك معرضون على الأقل هذا الإصرار الذي يقدمه الفنانون مثله مثل الجندي الذي يحارب بريشتهم  يوثقون الأزمة بكلّ طاقتهم، هذه الريشة مثل القلم الذي يكتب به الصحفي والإعلامي ويقدم مادة تغني هذه الفترة، قد تكون التشكيلية مقلة بالإنتاج الفني وتختلف هنا عن الرجل بسبب المسؤوليات الكبيرة كأم وزوجة وموظفة عليها التنسيق بين طموحها وموهبتها، وعلى الرّغم من ذلك أراها تحقق شيئاً وليست أقل من الرجل وتثبت حضورها بأعمالها الجديدة دائماً.
وفيما إذا كانت الوظيفة تحدّ من إنتاج التشكيلية السورية، تقول التشكيلية صريحة شاهين: المرأة أحد دعائم تطور المجتمع وتحقيق استقلاله، المرأة التشكيلية العاملة تقضي نصف النهار في وظيفتها والنصف الآخر في البيت مع العائلة وأعباء المنزل والأطفال، وهذا من الممكن أن يخور قوى المرأة من الناحية الجسدية، لكن ﻻيحد من طموحها وإنتاجها بل قد يزيد من طموحها وإبداعها وبإصرارها تستطيع أن تعمل المستحيل، العمل قد يعرفنا أيضاً على أشخاص آخرين نكتسب منهم المعلومات التي تمنحنا القدرة على الإبداع وفنونه.
بدورها، تقول التشكيلية جبارة: الفنانة التشكيلية مضطرة للوظيفة، والوظيفة تقلل من الإنتاج الفني إضافةً إلى الوظيفة والبيت والأولاد، حتى لو كانت الوظيفة تدريس الرسم والفنون لأنها تأخذ من وقتها كمعلمة، ولو تفرّغت المرأة فقط للعمل الفني وكان متاحاً لها كما أتيح لفنانين كبار وأبدعوا وصارت لوحاتهم تُشترى وصار لديهم اكتفاء مادي وتالياً صاروا موجودين، أنا مضطرة لأنْ أشتغل بالغرافيك ديزاين وهو فن استهلاكي وليس تشكيلياً وبرمجياً، هذا العمل يستهلك طاقات جسدية وفكرية كبيرة، لكن عندما أتفرغ أسهر وأبقى على تواصل مع اللوحة لأنّها روحي وجسدي، ويصير بيننا نوع من التّناغم.. علاقتي بها هي مرآتي الشّخصية، تكون بيننا هذه العلاقة ولا أشعر بالوقت عندما يطلع الصبح أنهك وأنام وأستيقظ مستمتعة بالحديث الذي صار بيني وبينها وأجلس أتأملها، هناك أمور كثيرة لست مضطرة لفعلها لو كنت متفرّغة.
ضمن هذه الظروف والمسؤوليات هل استطاعت التشكيلية السورية الخروج من عباءة المجتمع في لوحاتها أم بقيت في إطارها التقليدي؟ وهل واكبت التشكيلية السورية التقنيات والمدارس الحديثة؟ تقول مفيدة الديوب: كأكاديمية وخريجة كلية فنون تجربتي ليست مثل بقية الفنانات اللاتي لم يدرسن الفن وهذا ليس ضرورياً لأن الفن موهبة وقد يكون بالفطرة، في الكلية يدرسوننا الفن الكلاسيكي وبعد التخرج نشتغل النمط أو الأسلوب الذي نحبه وأنا اخترت التعبيري أو التجريدي وهذا هو الفن المعاصر، نحن  استفدنا من تجارب الفنانين الكبار وأساتذتنا، وهذا ليس تقليداً، لا يمكن لأحد أن يكون كالآخر بالإحساس ولا بالأسلوب ولا بطريقته حتى لو قلّد، الموجودات على الساحة الفنية الكبيرات مثل سوسن جلال وأسماء فيومي ولجين الأصيل سيدات يُعتبرن علماً بالنسبة للفنانين التشكيليين السوريين بشكل عام وليس فقط بالنسبة للفنانات، هنّ اشتغلن فناً حديثاً معاصراً وهذا اتبعه لأنّي أحبه واجتهدت به وقدمت تقنيات جدية على سطح اللوحة والرسم بالسكين والمواد والكولاج وأضفت إليه وهذا بشهادة فنانين كبار.
ولم تكن الفنانة التّشكيلية السّورية في كل مراحلها الفنية تقليدية في صياغتها وأساليبها وتقنياتها بحسب الناقد والفنان التشكيلي أديب مخزوم، يضيف: على العكس، لقد كانت متحررة من نمطية الشّكل الواقعي ووصلت إلى أسلوب شخصي وساهمت في إطلاق وتكريس تيارات الحداثة في التشكيل السوري المعاصر منذ أكثر من ستة عقود، وهكذا قدمت التشكيلية السورية مواضيعها بكثير من العفوية اللونية المباشرة واللمسات الضوئية وصولاً إلى الاتجاه التعبيري والتجريدي الذاتي الذي أدى إلى مزيد من التلقائية في معالجة المواضيع المطروحة وأظهرت علاقتها بماضيها المجيد وبحركة التطور والعصر، وعلى هذا فإن المرأة السورية وخاصة التشكيلية كانت ولا تزال تكافح كي لا تكون مقيدة وبعيدة ومغيبة عن القيام بدور فاعل، وكانت مجددة في طروحاتها وتوجهاتها وأعمالها الفنية موثقة في كتب مرجعية ومحفوظة في متاحف وصالات عرض دولية.
درب طويلة وربما كانت شائكة في بداياتها، لكنها لم تكن عصية على الفنانة التشكيلية السورية التي تركت بصمتها في هذا المجال، بالسؤال عن اختلاف هذه التجربة اليوم عما كانت عليه في السابق، تجيب التشكيلية سوسن جلال: لا فرق بين الأنثوي والذّكوري، الاختلاف حسب البيئة، بيئتنا محافظة وهذا يجعل الفن وطروحات مواضيعه محدودة وتبقى ضمن إطار المواضيع التقليدية، لذلك على الفنان الاطّلاع على تطور الأعمال الفنية والتقنيات الجديدة نتيجة تطور استخدام المواد والأساليب، ولاسيّما الانفتاح على الآخر عبر الإنترنت، أما بالنسبة للاختلاف فهو منذ البداية إلى الآن نتيجة عمل وتجارب دائمة، ما يجعل العمل حكماً متطوراً، والفنانة السورية تطورت بتطور التقنيات وابتعدت عن المواضيع التقليدية، وأصبح الأسلوب والعمل لتأسيس وإظهار لوحة هاجسها حتى تثبت وجودها كمبدعة وفنانة تتقن كل الطرق في تنفيذ لوحة متكاملة، لذلك فإنّ العمل المستمر والجاد والبحث يعطي الفنان القدرة على تمييز وتقييم قدرة الفنان والدخول إلى عمق ما يدور وما يقدم والفنانات السّوريات قدّمن الجميل والتّمكّن في أعمالهن.
لا يختلف حال التّشكيلية السورية عن حال أي امرأة أخرى من حيث المسؤوليات والواجبات والظروف والإبداع والتميّز، لكنها لم تصل العالمية كحال بعض المهن والفنون التي كان لسوريات حضورهن العالمي فيها، يبيّن الناقد والتشكيلي أديب مخزوم: لقد قدمت المرأة السورية صورة مشرقة عن المرأة العربية حين دخلت مجال إنتاج اللوحة الفنية وعرضها وتالياً أثمرت تجاربها وبرزت إقبال قارصلي وليلى نصير ولجين الأصيل وهالة القوتلي وهالة مهايني وليلى طه وعروبة ديب وغيرهن الكثير، وبالرّغم من أنّ الإبداع التّشكيلي العالمي يكاد يقتصر على الرجال لدرجة أننا لا نعثر بين كل فناني مدرسة التّشكيل الانطباعي التي أطلقت أولى شرارات الحداثة الفنية في العالم أجمع على سبيل المثال إلّا على ماري كاسات وبرتا موريزو وهذا ينسحب على كل المدارس الفنية المتعاقبة التي شهدتها عواصم ومدن الفن الكبرى منذ مطلع القرن العشرين، إلّا أنّ المرأة السورية رغم بروز هذه الظاهرة العالمية استطاعت منذ أكثر من نصف قرن أن تساهم في المعارض وتقدم صورة مشرقة عن المرأة العربية حين دخلت مجال إنتاج اللوحة الفنية وعرضها وتالياً أثمرت تجاربها المزيد من التّفاعل الثّقافي بين الإبداع الأنثوي والفن التشكيلي.

::طباعة::