في معرضه الفردي المقام حالياً في مرسم فاتح المُدرس في دمشق؛ والذي أمسى ترتيبه في سلسلة معارضه الفردية الخامس عشر؛ لم يُغادر الفنان التشكيلي إسماعيل نصرة ملامح جمالية اشتغل طويلاً عليها لتُشكّل أسلوبه في المشهد التشكيلي السوري. غايته كانت أن يتمايز عن مُحترف من الصعوبة فيه الاختلاف.
ملامح جمالية ما انفكّ نصرة؛ يُحاول تطويرها، والبناء عليها ما يجعل أعماله اللاحقة تُشكّل انعطافة في التجربة، وإن كان الانعطاف هنا ليس بمعنى الانقلاب، وإنما الذهاب صوب السعي لاكتمال التجربة ونضجها أكثر فأكثر. من ملامح هذه التجربة الزاخرة؛ أكثر ما تجلت في هذه «الرومانسية» العالية التي تظهر في لوحة نصرة بأكثر من تكوين أو لون، وحتى بالفكرة التي يشتغل عليها. هنا ثمة حلم وردي يجعلنا نقرأ في تفاصيله لوناً إضافياً، يسعى دائماً ليمنحه الكثير من الضوء، حتى ليبدو أن لا نهاية للتلوين عند هذا الفنان، تلوين يذهب صوب الرقي الجميل سواء باختيار اللون، أو في عمارة التكوين، وحتى بالخطوط التي تتماهى باللون بعلاقة فيها الكثير من الحميمية العالية.
أمام هذه الرومانتيكية الرفيعة التي لا يتخلى عنها نصرة في لوحته؛ لم يجد أفضل من «المرأة» جسداً وحكاية لتكون حاملاً وتكويناً لكل هذه الرومانسية الحالمة. النساء بما هنّ راويات للحكايا، وبما يُخزِّنه الجسد النسوي من جمال في حدّ ذاته. هذا الجسد الذي كان هدفاً لتشخيص الفنان منذ كان يُشكّل آلهته الأولى على هيئة أنثى خصبة مُفعمة بالرموز. فكان جسد المرأة «حمّالاً» لكلّ شواغل الفنان نصرة الجمالية والفكرية. تلك الغاية العتيقة للفنان الفينيقي القديم؛ كانت أيضاً غاية الفنان إسماعيل نصرة في شواغل جديدة نوّع عليها بعشرات المعارض من دون خشية تكرار أو تماثل رغم كل هذه الملامح الحالمة التي تنوس بين الطهرية والحالة البتولية وبين كل هذه الفينوسية العاشقة. وما بين هذا وذاك سيكون مدى اللوحات شاسعاً ليسرد الفنان دفقاته اللونية وتكاوينه وخطوطه وهي الأخرى تتدرج بين الكاريكاتور والتهكم أحياناً، والاشتباك باللحظة السورية الدامية، وصولاً للحالة الجمالية الصرفة.
يختار نصرة لتقديم هذه الحالات اللونية المُفعمة بقوس قزح صراحة الألوان بكامل الجرأة، وقوة التجاور الحار والحميمي، بحيث تصير هذه اللعبة غواية لونية تتكامل مع تلك النساء في سعيهن للانعتاق وفك القيود في معركتهن الطويلة مع كل هذا القبح والخراب الذي يأتي ويهب على المرء من جهاته الست.
لوحات هي الأخرى نوّع نصرة في أبعادها بين اللوحة الصغيرة جداً والمتوسطة واللوحة ذات الأبعاد الواسعة لكنها جميعاً تتفق لتقديم هذه الغواية اللونية التي على نساء إسماعيل نصرة أن تُقدمنها تارةً بفرح عاشقة، أو بغطرسة قوة فاجرة، كما في لوحة تمثال الحرية الأمريكي من خلال ما جسدته إحدى لوحات المعرض، وحيناً بحكايا النساء وشواغلهن عندما يتبادلن أطراف خيوط الحديث، حيثُ يشي بهنّ من خلال لوحة أخرى تذهب صوب البسمة بعض الشيء تُبيّن لوحة تالية، أو لوحات أخرى تذهب صوب تجسيد حالة من التحليق، هذا التحليق الذي يبدو هو الآخر ملمح في صياغة الفنان إسماعيل نصرة، فثمة فضاء يصر على تجسيده، وهو غالباً ما يكون في مقدمة اللوحة، بينما التكوين، أو الكتلة تبدو خلفية لهذا الفضاء في صورة مُعاكسة لما درجت عليه اللوحة في اعتياد نشوئها، وهو ما يُظهر صياغة الجسد النسوي المُحلّق كالملاك الذي قد يأتي من نافذة أو يحط من علٍ، أو تظهر كمن يطير في نومه في حالة من التحليق لانهاية لحلمها. تحليق يدفع للتأمل والتأويل الذي قد يأتي بالتفسيرات المُتعاكسة والمتناقضة بين ما يُشير للوهم، أو الاستناد إليه، أو الانعتاق من كل ما يُمكن أن يعوق المرء أو على الأقل السعي إليه، أو التحليق الذي يأتي كقبلة مساء.

::طباعة::