ألبست الطبيعة حوران ثوباً متميزاً نسجت خيوطه السهول الخضراء والمسطحات المائية العديدة والتلال والوديان الجميلة، وزاد حوران جمالاً غناها بالعديد من المواقع والأوابد الأثرية الموغلة في القدم والتي تحكي قصة حضارات عريقة تعاقبت على المنطقة وجعلتها بمنزلة المتحف الضخم، وبإضافة موقع المحافظة كبوابة جنوبية للقطر تكون جميع عوامل القوة ومقومات الجذب المختلفة متوافرة ومحفزة للاستثمار في هذا القطاع الحيوي الذي كان قد شهد خطوات متقدمة في سنوات ما قبل الأحداث، لكن الأزمة البغيضة التي تمر فيها البلاد أرخت بظلالها الثقيلة على مختلف قطاعات ومناحي الحياة ومن بينها القطاع السياحي في المحافظة، حيث توقف عمل معظم الفعاليات السياحية وجرى نهب وتخريب الكثير منها ومن المواقع الأثرية والطبيعية من ضعاف النفوس غير الآبهين أو المدركين لقيمة المواقع الطبيعية والتراثية كثروة وطنية هي ملك ليس لنا وحدنا بل للأجيال اللاحقة، وكعماد ومرتكز للسياحة التي تعد من أبرز الظواهر الاقتصادية والنافذة الأوسع لحوار الحضارات بين الشعوب.
وعلى الرغم من كل ما خلفته الحرب الظالمة على بلادنا، فإن مختصين ومتابعين ومعنيين بالقطاع السياحي أبدوا تفاؤلهم بإمكانية إعادة الألق للسياحة في المحافظة بعد وضع الخطط والرؤى المستقبلية المدروسة بعناية وإدراج هذا القطاع في سلم أولويات إعادة الإعمار.

غصة في النفس
حرمت الأحداث التي تمر فيها المحافظة الأهالي من التمتع والترويح عن أنفسهم في المواقع السياحية الطبيعية والأثرية المترامية في أرجاء مختلفة من المحافظة لوقوع معظمها في مناطق ساخنة، وأشار العديد من السكان إلى أنهم كانوا قبل الأزمة يذهبون بشكل شبه أسبوعي، وخاصة في فصلي الربيع والصيف، إلى المتنزهات الطبيعية مثل بحيرة المزيريب وشلالات تل شهاب وزيزون ووادي اليرموك وسدود كل من درعا والهرير وتسيل وغيرها، كما كان متاحاً لهم زيارة المواقع الأثرية التي تكاد لا تخلو أي بقعة في المحافظة منها، لكن الأزمة الراهنة حرمتهم منها وجعلتهم يعيشون في نطاق ضيق بين الكتل الإسمنتية الصماء، بينما لفت عدد من سكان مدينة درعا إلى أن إعادة تأهيل حديقة البانوراما التي تعد متنزهاً شعبياً مجانياً رئيساً كان له كبير الأثر في نفوس الأهالي وخاصة الأطفال، كذلك الحال بالنسبة لتأهيل حدائق أخرى ضمن أحياء المدينة، وأمل الأهالي فور عودة الأمن والاستقرار إلى ربوع المحافظة أن يأخذ قطاع السياحة الشعبية أولوية ليسهم بإزاحة الآثار السلبية التي خلفتها الحرب الظالمة على بلادنا من نفوس الناس وخاصة منهم الأطفال.
خروج 23 منشأة من الخدمة
مدير غرفة سياحة المنطقة الجنوبية عمار الحشيش ذكر أن أضراراً كثيرة وقعت على القطاع السياحي في محافظة درعا، من حيث انعدام الوافدين السياح إلى المحافظة نتيجة الوضع الأمني الحالي وإغلاق المعابر الحدودية بعد أن كان شهد تطوراً لافتاً في هذا المجال وبلغ أحسن حالاته في عام 2010، حيث وصل عدد السياح القادمين من معبر نصيب الحدودي إلى أكثر من مليوني زائر وسائح، إضافة إلى خروج كل المنشآت السياحية من الخدمة بسبب الوضع الراهن والبالغ عددها 8 منشآت مبيت من مستوى نجمتين إلى خمس نجوم و15 منشأة إطعام مصنفة سياحياً من المستوى السابق نفسه، وكانت تتوزع ما بين أوتستراد دمشق – درعا الدولي والمزيريب وبصرى والصنمين ودرعا، وكذلك خروج فندق الوردة البيضاء العائدة ملكيته لوزارة السياحة من الخدمة بسبب تعرضه لضرر كبير، وخروج 50 مكتباً سياحياً باختصاصات تنظيم رحلات سياحية ووكالات سفر وعمرة من الخدمة من أصل 61، أي الباقي 11 ما بين مكتب ومؤسسة تقدم خدمات إصدار التذاكر وتنظيم رحلات السياحة الداخلية إلى الساحل السوري والقليل إلى لبنان، بينما خدمات الحج والعمرة متوقفة بسبب العقوبات، كما خرجت 4 استراحات مرخصة سياحياً على أوتوستراد دمشق – درعا من الخدمة أيضاً، وكذلك شركات النقل السياحي البالغة 6 شركات مرخصة من المجلس الأعلى للاستثمار توقفت هي الأخرى عن العمل، وتوقف عمل جميع الأدلاء السياحيين عن ممارسة عملهم لكونه مرتبطاً باستقطاب المجموعات السياحية، أضف لذلك أن مشروع المياه المعدنية العلاجية الطبية في بلدة اليادودة متوقف حالياً عن متابعة التشييد كمشروع رائد بسبب وقوعه في منطقة ساخنة، وتعرض الكثير من المناطق الطبيعية للتخريب وقطع آلاف الأشجار والاتجار بها من ضعاف النفوس، والحال يقاس على المناطق الأثرية والتاريخية التي تعرضت للتخريب والنهب أيضاً، وقدر الحشيش قيمة الأضرار التي لحقت بمختلف المنشآت السياحية التي كانت قائمة قبل الأحداث بما يفوق 1.5 مليار ليرة.
تضاؤل تخريج الكوادر
جاء إنشاء المدرسة الفندقية في درعا عام 1996 لتأهيل الكوادر الكفوءة التي ترفد قطاع السياحة وتسهم في النهوض بخدماته في مختلف المجالات، وأوضحت مديرة المدرسة روان الكفري أن المدرسة كانت قبل الأزمة تستقبل سنوياً في الصف الأول الثانوي أعداداً جيدة تصل إلى 120 طالباً وطالبة وهي بذلك كانت الثانية على مستوى القطر، لكن مع مرور سنوات الأزمة أخذ العدد يتناقص حتى وصل إلى طالبين فقط! خلال العام الدراسي 2015/ 2016 ثم عاد ليتصاعد في العام الدراسي الحالي حيث تم دخول 17 طالباً ومتوقع استمرار الزيادة في السنوات القادمة بالتوازي مع استقرار الحالة الأمنية، ولفتت مديرة المدرسة إلى أن بناء المدرسة تعرض لأضرار ضمن الظروف الراهنة، وهي بحاجة إلى أعمال تأهيل وخاصة في الطابق الثاني.
وأوضحت مصادر مديرية سياحة درعا أن أعمال إكساء المعهد الفندقي في المحافظة توقفت بعد أن كانت قطعت شوطاً جيداً بسبب الأزمة، بينما عاود المعهد العربي للعلوم السياحية عمله مطلع العام الدراسي الحالي بعد توقف استمر منذ عام 2013 ، علماً أنه يدّرس اختصاصات قطع تذاكر الطيران والتسويق والسياحة الفندقية واللغات الأجنبية وغيرها من المواد الدراسية الداعمة التي تسهم في تخريج كوادر ترفد القطاع السياحي.
مطالب تستحق النظر
لأصحاب بعض المنشآت السياحية المتضررة والمتعثرة مطالب تتمثل بضرورة التعويض عن الأضرار التي لحقت بمنشآتهم من أجل إعادة ترميمها وتأهيلها واستئناف عملها، وكذلك أن تعاود المصارف الخاصة المتوقفة جميعها العمل في المحافظة لتساهم مع المصارف العامة في منح قروض معقولة وطويلة الأجل للنهوض بالقطاع، وأملوا بإعادة النظر بنظام ال(Bot) لخاص بالاستثمار حيث إن بعض بنوده باتت غير منطقية ضمن الوضع الراهن وخاصة لجهة مدة الاستثمار، والمطلوب رفع عدد السنوات لتعويض ما فات منها خلال سنوات الأزمة، والسماح بالنقل المؤقت لمكاتب ومؤسسات السياحة والسفر إلى المناطق الآمنة، علماً أنهم على استعداد لتقديم تعهد بالعودة إلى مقراتهم الأصلية فور توافر الظروف الملائمة، ورفع نسبة عمولات المكاتب من مؤسسة الطيران العربية السورية من 4% إلى 7% أسوة بالمكاتب المتعاقدة مع المؤسسة وذلك لتحفيز تلك المكاتب على زيادة الحجوزات على الناقل الوطني، كما طالبوا بإيجاد منشأة مبيت في مدينة درعا ترعاها وزارة السياحة للإسهام في استقطاب مجموعات سياحية للمحافظة، خاصة أنه لا تتوافر حالياً أي منشأة لهذا الغرض.
ترخيص 4 مكاتب
مدير سياحة درعا ياسر السعدي أبدى تفاؤلاً بعودة التعافي تدريجياً إلى القطاع السياحي في المحافظة، لافتاً إلى أن عجلة النشاط السياحي لبعض الفعاليات بدأت بالدوران ولو ببطء، حيث تم منح تأهيل سياحي من مديرية السياحة لمنشأة سياحية خاصة في مدينة إزرع خلال العام الفائت حسب المرسوم 11 وهي قيد الاستثمار حالياً، كما تم في مدينة درعا إعادة تأهيل مطعم الناصر وصالة ومطعم الحوريات، وسيصار إلى معاودة استثمارها قريباً، وأعيد تأهيل عدد من الحدائق وفي مقدمتها البانوراما والبيئية وباب الحارة وصبح ومسا من باب استثمارها وجعلها متنزهات شعبية رخيصة أو مجانية، كما عملت المديرية جاهدة خلال السنوات الماضية على تشجيع السياحة الداخلية من خلال إقامة المهرجانات التراثية والسياحية في كل من مدينة درعا وإزرع وقرية موثبين وإضاءة شجرة عيد الميلاد لأول مرة في مدينة درعا بالتعاون مع محافظة درعا، وبدأت تشهد المحافظة مؤخراً ترخيص مكاتب سياحة وسفر ومؤسسات تنظيم الرحلات التي بلغت 4 بين مكتب ومؤسسة.
تواصل دائم
واقترح السعدي مساعدة أصحاب المنشآت السياحية على تفعيل منشآتهم السياحية بعد التعويض عليهم، مبيناً قيام المديرية بالتواصل الدائم مع أصحاب المنشآت السياحية المتوقفة والواقعة في مناطق آمنة من أجل تذليل الصعوبات ووضع برنامج زمني لإعادة إقلاعها، وأشار الى أنه لتمكين مديرية السياحة من أداء مهامها ودورها المأمول حين بدء إعادة الإعمار، ينبغي رفدها بعاملين جدد من مختلف الاختصاصات نظراً للحاجة الماسة، وتأمين سيارات خدمة لمتابعة مواقع العمل السياحي والقيام بدور الرقابة على المنشآت السياحية، والتعاون والتنسيق مع كل الوزارات والجهات المعنية لتحسين وتطوير البنية التحتية السياحية، والتعاون والتنسيق مع غرف السياحة والتجارة والصناعة لإيجاد مستثمرين جادين وقادرين على الاستثمار السياحي، والمهم أيضاً رفع سقف القروض السياحية الممنوحة للمشاريع بما يتناسب مع الواقع الحالي للإسراع بإنجازها، والتعاون والتنسيق مع مجلس مدينة إزرع لإيجاد مواقع وأراضٍ لإقامة مشاريع سياحية جديدة لكونها غنية بالمواقع الأثرية والدينية، وإطلاق مشروع السياحة البديلة (سياحة شعبية بيئية – أسواق ومعارض ثقافية وتراثية ورياضية) لتنشيط الواقع السياحي وزيادة الإقبال على الاستثمار، والترويج السياحي في كل وسائل الإعلام عن المقومات السياحية والأثرية في المحافظة وإقامة المهرجانات السياحية والثقافية والتراثية.
المقومات باقية
على الرغم من كل ما طال القطاع السياحي من أضرار فلا تزال محفزاته متوافرة، حيث أوضح مدير السياحة أن المحافظة لا تزال تتمتع بتنوع المقومات السياحية فيها من طبيعية وأثرية وثقافية وبيئية ودينية وعلاجية، وفي إطلالة سريعة على المواقع ذات الجذب السياحي، تبرز المواقع السياحية الطبيعية مثل بحيرة المزيريب وشلالات تل شهاب وزيزون وشلالات الأشعري وتل الأشعري ووادي اليرموك، كما تظهر المواقع الأثرية التاريخية الثقافية ولا سيما في مدينة بصرى الشام من قلعة ومدرج روماني وكاتدرائية إضافةً للسوق الأرضية وسرير بنت الملك والحمامات الرومانية القديمة ومحطات القطارات، وفي مدينة درعا المدرج الأثري، كما توجد قلعة المزيريب ومعبد المتاعية وقصرا زين العابدين وإنخل الأثرية، وهناك مواقع سياحية دينية، ففي مدينة إزرع كنيستا مارلياس ومارجورجوس والجامع العمري، وفي درعا الجامع العمري وفي بصرى الجامع العمري وجامع مبرك الناقة والكاتدرائية ودير الراهب بحيرا وفي حيط وشقرا كنائس قديمة، كذلك توجد مواقع سياحية صحراوية مثل منطقة اللجاة في إزرع ومنطقة المسمية وصور وشعارة ومحمية السماقيات وتلال المنطقة الشمالية والغربية، ومواقع سياحية علاجية كحمامات المياه المعدنية في جباب والمياه المعدنية في اليادودة، ومواقع سياحية بيئية مثل تل الحارة وموقع جلين وموقع سد الوحدة بالقصير، ناهيك بالمغاور العديدة مثل مغارة الكرك في مدينة درعا وكوكب في وادي جلين والطيارة في وادي جلين والتل بالحارة ومغارة المطوق في إنخل ومغاور ضفاف وادي الزيدي بدرعا، ومما لاشك فيه أن هذا التنوع والغنى الجغرافي والطبيعي والبيئي والأثري والسياحي يبقي على محافظة درعا بيئة خصبة للاستثمار السياحي.
مشروعات مطروحة
أشار مدير غرفة سياحة المنطقة الجنوبية عمار الحشيش إلى أن هناك عدة مشروعات مطروحة للاستثمار، يأتي في مقدمتها مشروع القرية السياحية في بلدة تل شهاب، خاصة أن أعمال الهيكل منفذة ومشروع تأهيل البيوت القديمة في مدينة بصرى كمطاعم من مستوى نجمتين، ومشروع زيزون بالقرب من الشلالات بمستوى نجمتين ومشروع سكة القطار في مدينة بصرى كمطعم ومشروع سد القصير كمطعم ومشروع مطعم ومنتجع المزيريب، ومشروع قصر زين العابدين في مدينة إنخل في أي توظيف والغالب استثماره كنُزُل، وهذه المشروعات تقع حالياً في مناطق ساخنة لكنها لا تزال قابلة للاستثمار فور عودة الاستقرار إلى مناطق وجودها.
الإنعاش مطلوب
مما تقدم يلاحظ أن قطاع السياحة في محافظة درعا في حالة غيبوبة ولا بد من عناية مشددة لإنجاح إنعاشه وإعادته إلى وضعه الطبيعي والحيوي، بحيث يكون أحد العوامل الأساسية للنهوض بالواقع الاقتصادي في البلاد بعد الخروج من الأزمة وبدء التعافي الذي باتت بشائره ماثلة في الأفق القريب.

::طباعة::