أجمل التعاريف التي من الممكن أن توصِّف مدينة عفرين لن تأتيك من محرك البحث «غوغل»، ولا من الكتب التاريخية.
لذلك ناظرها بعيون كردي سوري مؤمن بسوريته ووحدة جغرافيته، سيوصِّف عفرين بأنها «قطعة من الجنة بطبيعتها الخلّابة وتنوّع أشجارها ومحاصيلها، من الكروم والحمضيات والسرو والصنوبر والقمح والقطن والتفاحيات، فمَنْ قال: إن عفرين بلد الزيتون فقط؟».
عفرين المدينة العتيقة التي تعود إلى ما قبل التاريخ، حيث فيها قلعة سمعان والنبي هوري وتل عين دارة الذي فيه المعبد الأثري، والذي تحوّل لشبه أنقاض، مثله مثل موقع براد الذي فيه الكثير من المباني الأثرية المهمة، ومن ضمنها ضريح القديس مار مارون وكنيسة جوليانوس التي تضم الضريح، وتعدّ من أقدم الكنائس المسيحية في العالم، تضررت وهُدِمت بسبب الغارات الجوية التركية، تركيا التي تمارس احتلال مدينة عفرين من دون استحياء؛ تقتل وتهجّر وترتكب المجازر، تدمّر وتسرق وتنهب الخيرات.
وطوال الأعوام السبعة في الحرب الإرهابية على سورية كان أردوغان وحكومته يطالبون الولايات المتحدة و«ناتو» بإقامة ما يسمى «منطقة عازلة» بغية تمكين التنظيمات الإرهابية من السيطرة الجغرافية، وما احتلال عفرين الآن وزج أردوغان الجيش التركي إلى جانب التنظيمات الإرهابية إلا تأكيد على مقولة جون كيري وزير الخارجية الأمريكية الأسبق: «إن الحرب في سورية هي مجموعة حروب دولية وإقليمية»، لتكون عفرين مؤشراً دلالياً له أبعاده التي ترتبط بمفاعيل الحرب المنتمية لصراع إرادات ومشروعات، أكبرها المشروع الأمريكي ثم المشروع التركي، حيث سعت تركيا للتدخل في سورية لتحقيق أهدافها ومطامعها في الداخل السوري، وتحت ذريعة «الخطر الكردي» كان الهجوم العدواني على عفرين لتحقق أهدافها الذاتية، وعلى أعين الولايات المتحدة الأمريكية التي سمحت باعتدائها، بل قالت: «إن عفرين ليست من اهتماماتنا»، وهذا تأكيد على أن أمريكا ليست بالصديق أو الحليف الدائم، وهي معلومة بات يدركها تماماً الأكراد السوريون بتنوعهم السياسي.
الدولة السورية أعلنت منذ بداية العدوان التركي الغاشم موقفها الرسمي بتوصيفه عدواناً يستهدف الأراضي السورية والشعب السوري، وقامت بتوجيه الرسائل إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، لتكون معركة عفرين معركة واجبة مادامت تركيا تعتدي على السيادة السورية، وستكون وفق شروط لحظية تقرؤها عسكرياً وتسمح ببدئها الجاهزية وانشغالات الجيش الآنية في جبهات أخرى، لأن الدولة السورية لم ولن تبخل يوماً بالتعامل الأبوي مع كل أبناء جغرافيتها، وجميعهم ينضوون تحت عباءة الواجب والحقوق مادامت خانتهم سورية.
في بداية ٢٠١١ وقبل ما يسمى «الربيع العربي» عقدت هيئة الأبحاث القومية لحزب البعث العربي الاشتراكي ورشة عمل حوارية حول تأثر المنطقة بالمشروع الأمريكي، ولاسيما بعد ما يسمى «العراق الجديد»، الذي عمل على إيقاظ النزعة الانفصالية بدوافع إقليمية وفئوية تصبّ في مصلحة المشروع الأمريكي، والذي تلمّسنا خطره وتحديّاته، وكانت الدعوة لتعميق التواصل الثقافي واللغوي في مواطن النزعات الانفصالية واحترام المطالب الثقافية من أجل مقاومة تلك النزعات.
إن الدولة السورية تلحظ دائماً بعين الأب جميع أطياف مكوّناتها، وتسعى لتحقيق المطالب المحقّة، وما تشهده عفرين اليوم ليس بالغريب على أعداء سورية المتضررين من وحدتها، والساعين أبداً لتقسيمها واستغلال ثرواتها، ولن تكون تركيا -وريثة السلف العثماني الاستعماري- مختلفة عن أسيادها، حيث في معسكراتها تمَّ تدريب العناصر الإرهابية، وبمباركة أمريكية تم التطاول على السيادة السورية، ليكون تنظيم «داعش» الإرهابي وإخوانه وتركيا والولايات المتحدة وحلفاؤها عدواً واحداً بمسميات مختلفة، تجمعهم المشروعات الاستعمارية المتنوعة.
لكن الدولة السورية تدرك أن جميع المعارك، وضد أي عدوان، هي معركة مفصلية، وسواء كانت الغوطة أو عفرين أو أي منطقة جغرافية سورية تم الاعتداء عليها، فسيتم تحريرها بإذن سياستها الحكيمة وبواسل جيشها وصمود شعبها العظيم.
m.albairak@gmail.com

print