منذ سبع سنوات تقريباً قرر المعنيون في أحلك الظروف إعداد قانون جديد للاستثمار على نية إصداره عصرياً، كما توثّق تصريحاتهم منذ ذاك الوقت وحتى الآن، لعله يخرج «الزير من البير» ويفتح شهية المستثمرين المفتوحة أصلاً لضخ أموالهم في البلاد عند الخلاص من أزمتها الملعونة، لكن المفارقة رغم مضي تلك الأعوام لم نشهد ولادة القانون المعجزة، الذي غالباً ما يتوقع هذا المسؤول أو ذاك قرب صدوره، ليعود بعد انتهاء تكهنه إلى طاولة المناقشات وعتمة الأدراج، بلا طحين البيئة القانونية ولا دسم التسهيلات الجادة المفككة لمشكلات طاردة لرؤوس الأموال، وإنما الظفر فقط بجعجعة وعود عند تنظيم ملتقيات استثمارية أنفق عليها ملايين الليرات كان الأجدى توظيفها في أقنية تخدم تحسين واقع المواطن المعيشي بدل بيعه كلاماً في الهواء.
احتمالية إصدار قانون الاستثمار الجديد قريباً باتت في «خبر كان»، بعد اتفاق 10 وزراء في أول اجتماع للمجلس الأعلى للاستثمار على رفض الكثير من بنوده التي يخشى إعادة صياغتها من نقطة الصفر بعد رفع سقف الاعتراضات بالجملة بسبب تضييق صلاحيات بعض الوزارات، عبر تصحيح المسار بإعطاء كلمة الفصل إلى هيئة الاستثمار، مع مراعاة خصوصية كل وزارة وطبيعة استثماراتها، وهو أمر قد لا يروق لبعض المسؤولين الذين يفضلون إدارة الاستثمارات ذاتياً، من دون اكتراث إلى واقع ضياع مليارات الليرات خلال عقود خلت من جراء الفشل في إدارة استثمار مشروعات حيوية وهروب مستثمريها حتى قبل إقلاعها لأسباب بات الجميع يحفظها عن ظهر قلب.
تداخل وتشابك الصلاحيات بين الوزارات المعنية نقطة ضعف وعثرة أخرى أمام بلورة بيئة استثمارية ملائمة، ومعالجتها تتطلب إزالة أسباب هذا التشابك، الذي يحتاج إلى تحديد مهام كل وزارة بدقة مع التقليل من البيروقراطية والفساد عبر اعتماد النظام الشبكي، ثم إيلاء مهمة معالجة الواقع الاستثماري وهمومه الكثيرة إلى هيئة الاستثمار، التي وجدت لضمان متابعة وتنفيذ مشروعات استثمارية واقتصادية في جميع المجالات، وليس تشميلها والسلام، فما الجدوى من تأسيسها إذا كانت كل وزارة تريد بناء هيئة مصغرة ضمن هيكلتها، وما فائدة إصدار قانون عصري إذا كانت الظروف غير مؤاتية لتطبيقه، وهذا يحتاج قراراً جريئاً يحصر الصلاحيات الاستثمارية بجهة واحدة بدل تشتيتها بكل الاتجاهات، فهل نشهد السير نحو هذا الهدف بالتزامن مع تخلي الوزراء بنفس رضية عن امتيازاتهم بغية تنشيط الواقع الاستثماري وعكسه إيجاباً على إعمار البلاد ومواطنيها، أم إن البحث عن أمجاد ذاتية لهذه الوزارة أو تلك ستحكم مضيعة أي جهد يصب في هذا الاتجاه لنعود إلى نقطة الصفر مجدداً و«كأنك يا زيد ما غزيت»؟!.
rihabalebrahim@yahoo.com

::طباعة::