في كل مناسبة وموقف يثبت الشباب في سورية أنهم على قدر المسؤولية ويستحقون أن نرفع لهم القبّعات، فعلى الرغم من ثماني سنوات من الحرب أتت قساوتها وظروفها على الأخضر واليابس، كما يقال، فإنهم لم يتوقفوا عن الاختراع والإبداع وتقديم كل ما في جعبتهم من ذخيرة علمية لتحدي الفكر الظلامي من جهة ولإثبات للعالم أنهم جيل المستقبل الذي سيعيد إعمار الحجر والبشر في سورية من خلال مبادرات اختلقت في أشكالها وتفاصيلها لكنها اتفقت في مضمونها الذي يمكن اختصاره ووصفه بالإبداع، وهو أحد متطلبات المرحلة القادمة التي يجب أن يتميز بها المجتمع السوري بكل فئاته.

مكتب متابعة الأعمال التطوعية في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية، أو ما تم اختصاره من قبل ثلاثة مهندسين متحمسين للعمل تحت مسمى (طموح)، رغم مضي بضعة أشهر على البدء به حقق بعضاً مما يصبو إليه المبادرون، إذ نجح بتدريب نحو 1500 طالب وطالبة من السنوات الأولى وحتى الخامسة، إضافة لعدد من الخريجين، وأمّن لبعضهم الفرص في سوق العمل من خلال ما اكتسبوه من خبرة خلال ورشات العمل المتعددة التي أقيمت في تلك الفترة.
المهندسون الثلاثة وصلوا الليل بالنهار، لم يعرفوا أيام العطل.. تركوا منازلهم واغتنموا فرصة أن مخابر الكلية في تلك الأيام تكون غير مشغولة ليحققوا بعضاً من رسالتهم السامية في العمل التطوعي الذي يسمو فوق مرتبة أي عمل، لأنه لا يضع الربح أو التعويض المادي هدفاً له، والغاية من ذلك تقديم الخبرة والمعرفة إلى الآخرين ومن دون مقابل.
الطلبة الذين التقتهم «تشرين» خلال زيارتها الكلية عبروا عن تقديرهم واهتمامهم بمبادرة «طموح» ووجدوا فيها الملاذ الحقيقي الذي يؤمن لهم فرصة تدريب حقيقية مجانية تضعهم على أولى درجات النجاح في حياتهم العملية، مؤكدين أن هذا العمل الطوعي لفريق «طموح» وبمساندة من عمادة الكلية مثال يحتذى به ليكون نواة حقيقية لتعميمها على العديد من الكليات التي من شأنها العناية باحتياجات الناس.
ورشات العمل التطوعية
البداية مع المهندس حسن نوفل القائم بالأعمال- ماجستير في قسم هندسة الحواسيب والتحكم الآلي في كلية الهندسة الميكانيكية والكهربائية(الهمك)، وهو من أقدم المهندسين الذين عملوا في المجال التطوعي منذ 15 عاماً حين بدأ العمل المهني في الكلية بعد تخرجه، قال: تشمل ورشات العمل التطوعية التي تقام مجاناً منذ قرابة السنة في مكتب «طموح» مشاريع التخرج ودعمها وتطوير المخابر والتجهيزات والمناهج ومساعدة الخريجين في تأمين الوظائف.
عملنا حسب الإمكانات المتواضعة التي بين أيدينا في المخابر، إذ لكل واحد منها اختصاص صناعي وبرمجي وصيانة حواسيب، والأساس الذي بنينا عليه «عنا عطلة.. عطلتنا همة.. ما في عطلة».
يضيف نوفل: لم ندّخر جهداً في أيام العطل فكان الدوام مستمراً نقوم بتسجيل أسماء الطلاب الراغبين بالاستفادة من برامجنا الهادفة بإشراف مدربين من الكلية أقمنا لهم دورات خاصة ليكونوا في جاهزية تامة وخدماتنا مجانية، ومع نهاية كل ورشة نجري التقييم بشكل عام، وأقمنا حتى الآن ورشتين في صيانة الحواسيب، وأي مخبر بحاجة للصيانة نقوم بإنجازها لنوفر الكثير من الأموال والوقت لكون المراسلات من أجل الصيانة تأخذ أوقاتاً طويلة، فنكون قد بدأنا الفصل الدراسي من دون تنفيذ المطلوب عندها.
أما إقبال الطلبة فكان لافتاً للنظر، إذ كنا نطلب 30 طالباً في الورشة فيأتينا ألف طالب وطالبة، ولذلك عمدنا إلى إجراء المقابلات الشخصية لدى الطالب الفعلي الراغب في التسجيل لمعرفة هدفه من الدورة ومدى استعداده للالتزام الكلي من أجل الحصول على شهادة في نهايتها موقعة من عمادة الكلية بشرط تحقيقه نسبة دوام تتراوح بين 80-90 في المئة ومعدل للنجاح لا يقل عن 70 في المئة.
التشبيك مع الآخرين
لم يتوقف دورنا على تأمين الدورات بل عمدنا، ووفقاً للمهندس نوفل، إلى التشبيك مع غرفة الصناعة وبعض المعامل لتأمين فرص العمل الحقيقية لهم، وبدلاً من تقديم أسماء الخريجين لطالبي السوق أصبحنا نقدم لهم التفاصيل والاختصاصات التي تساهم في تلبية ما يأملون به، وعمدنا لمساعدة الخريجين في تسويق ذاتهم من خلال دورات تخص كيفية الوقوف والإلقاء وتقديم أنفسهم للآخرين.
وطلبنا من المميزين أن يساعدوا زملاءهم في الورشات المختلفة التي تعتمد على مدار العام.
ونسعى حالياً للتشبيك مع مدربي تنمية بشرية ليقدموا لنا المعارف المهمة في التسويق الذاتي والصورة المثلى للتعريف بشخصية طالب سوق العمل، محاولين عبر ذلك تنمية الإبداع عند الطلاب، وكانت الخطوة الأولى توفير التجهيزات بمساعدة عمادة الكلية، فنأتي بتجهيزات غير مصنعة، ويقوم الطلبة بتصنيعها وتجميعها فنؤمن لهم التعليم والبرمجة المجانية.
الخشية على المهندسين
المهندس أمجد موعد- مهندس حواسيب وأتمتة أكد أن الغاية من وجوده ضمن فريق العمل كانت خشيته على المهندسين الخريجين لأن بعضهم لم يعمل على ذاته فاكتفى بالجانب النظري الذي حصل عليه من الكلية، متناسياً أهمية الجانب العملي والتطبيق في التخصصات المختلفة للكلية، مع العلم أن المهندس السوري يثبت أينما حل جدارته وإمكاناته الكبيرة، فكانت الغاية الأولى لنا إعادة توجيه إمكانات مهندسينا، والاستفادة من قدرات المدربين الرائعين الذين يتمتعون بإمكانات مهمة فنكون قد حققنا صلة الوصل بين الخبرات والعلوم الموجودة بين الطلاب المميزين وغيرهم.
في الكلية يحصل الطالب كما يقول موعد على كمية كبيرة من المعلومات النظرية، لكن التطبيق العملي يكون ضعيفاً بشكل عام، والمخابر بحاجة للتطوير، وكذلك المناهج التي تعود لأكثر من عقد من الزمن، فعملنا على البنية الأساسية في مخابرنا بتطوير الأجهزة الحاسوبية وفق المتاح من خلال تأمين بعض القطع اللازمة لذلك.
كما وفرنا للطلبة الراغبين في الاستفادة من التخصصات المغايرة ما يتيح لهم ذلك في دورات مستهدفة تخصهم، إضافة للدورات التي تخصّ العموم.
وعلى سبيل المثال، الدورات عندنا ليست 15 ساعة بل هي سلاسل تمتد لما بين (400-500) ساعة على مدار العام، مع العلم أن طالبنا لا يحصل خلال العام في مخابر الكلية إلا على عدد ساعات قليلة لا تتخطى 15-20 ساعة وهي غير كافية ليتمكن من تحقيق فرص العمل.
وما نقوم به خلال الدورات والعطل، وخاصة في فصل الصيف إعادة المناهج ذاتها بآلية تسمح للطالب بالحصول على 100 ساعة من التدريب، مستفيداً من وجود المدرسين المتخصصين المتطوعين وإمكانات الكلية الكبيرة والضخمة، وفي المحصلة تحت عنوان إعادة التدوير والتوجيه للحصول على خريج يستحق كلمة مهندس.
يؤكد المهندس موعد أنه يفاخر بما حققه مشروع «طموح» كفريق عمل خلال الأشهر السابقة إذ منذ بداية العمل في تموز الماضي تمكن المشروع والقائمون عليه من تدريب 1500 طالب وطالبة لجميع السنوات من الأولى إلى الخامسة، وكذلك عدد من الخريجين.
لماذا لا نستخدم هذه الإمكانات؟
في السؤال السابق بدأ المهندس قصي مهندس الحواسيب والأتمتة حديثه عن العمل الذي يقوم به كأحد أعضاء فريق (طموح) مؤكداً أن الدورات التي تقام خارج الكلية معظمها تجاري وبمبالغ مادية عالية، ونظراً لتوافر الإمكانات العليا في الكلية أكثر من أي معهد تدريبي خارجها كان السؤال الذي انطلقنا منه للعمل في ضوء توافر مدرسين رائعين ولديهم الرغبة في العمل التطوعي، وهذه مسألة مهمة ومميزة، فلماذا لا نقيم الدورات التي تساعد الطلبة خصوصاً أن لدينا أعدداً من الطلبة المتميزين الذين بحاجة إلى مزيد من المعرفة، وأيضاً في الحرص على القيام بأعمال تعود بالنفع على الكلية، فلم ندخل مخبراً إلا تركنا بصمة فيه، بدءاً من مخابر الوحدات المحيطية مروراً بالنظم المتضمنة والتحكم الصناعي والشبكات الصناعية، وحالياً نعمل على مناهج خاصة في تلك المخابر، فأقمنا على سبيل المثال منصات التجميع لكل مخبر معتمدين على ذاتنا ومن دون الاستعانة بأي شيء خارجي.
وكنا نستقبل في كل مخبر 40 طالباً وطالبة، ولدينا في بعض المخابر خطوط إنتاج كاملة استفاد الطلبة منها في التعرف عليها، لأن طالبنا يعمل عادة على اللوحات فقط من دون الولوج في التفاصيل، والدورات أتاحت لهم توصيل الحساس على سبيل المثال بأيديهم ليتمكنوا في نهاية الفصل من تجميع 14 حساساً مع بعضها، وهنا تبرز أهمية تعزيز المهارة لديه والانتقال إلى البرمجة، فيصبح مبدعاً وقادراً على الابتكار، فلا يضيّع وقته في المسألة التطبيقية فقط، ونحن بحاجة إلى تلك الأفكار المبدعة.
وما عانيناه في مشروع تخرجنا أنا ومهند قبل ثلاث سنوات في تعلم التقنيات، التي تطلبت منا ثلاثة أشهر نسعى من خلال «طموح» لتجاوزها، وتنفيذ المشروع مترافقاً مع تقنيات أفضل ليصبح العمل مبدعاً، وبالطبع بعد أن يكون قد أتقنها الطالب خلال الورشات في المخابر.
تعاون مثمر
يعود المهندس نوفل لتوجيه الشكر إلى عمادة الكلية الحالية والسابقة، لحرصهما على تأمين المساعدة اللازمة لنجاح المبادرة بدءاً من السماح باستخدام المخابر أيام العطل وتأمين الاحتياجات وفق المتاح وتوقيع الشهادات والتواصل مع الجهات العامة والخاصة لتأمين فرص العمل.
أحلامنا كبيرة
وفي إطار أحلام فريق «طموح» يرى المهندس نوفل أن «الأحلام كبيرة في الوصول إلى مبادرة كبيرة تحظى بالتمويل المناسب الخاص بها، في ظل الاعتماد الحالي على ما يتم تأمينه من قبل لجنة الشراء في الكلية فقط، لأنه في حال تم تأمين التمويل الضروري ستكون هناك نقلة نوعية أخرى في إطار البرنامج لأننا نضرب عصفورين بحجر واحد أي التدريب للطلبة والصيانة للمخبر وأجهزته، لنرد الجميل إلى تلك المخابر وإلى كليتنا، كما نتطلع للتواصل مع الجهات الصناعية لتأمين فرص العمل للطلبة المميزين والخريجين». وأيضاً يتطلع المهندس أمجد إلى مكافأة الطلبة الأوائل في كل مخبر من خلال إقامة رحلة علمية إلى المعامل على أرض الواقع بعيداً عن المناهج وهمومها كنوع من التحفيز والتشجيع.
مبادرة طوعية رائعة
لا يخفي عميد كلية الهمك الدكتور محمد مازن محايري سرور من فريق العمل «طموح» وما يقوم به بقوله: تعجز الكلمات عن التعبير تجاه ما يقوم به فريق «طموح» من مبادرة طوعية في ظل الظروف الصعبة التي يعانيها الجميع من كهرباء ومواصلات، وكان لافتاً لدينا حرص الطلبة على تقديم المعلومة إلى زملائهم من دون أي أنانية، كما كان يحصل معنا أيام كنا طلاباً، وبذلك تزداد معارف الطالب باتجاهات عديدة، ويصبح قادراً على أن يكون فعالاً في أي مشروع له علاقة باختصاصه، وروح الفريق هذه نثمنها، وهي قائمة بين طلبتنا، وتجاوبنا معهم في إتاحة الفرصة لهم للاستفادة من المخابر أيام العطل تنطلق من سعي تلك الخامات وإصرارهم على طلب العلم، وهو ما يشجعنا لنسير خلفهم محاولين تأمين مستلزمات العمل لنجاحهم وفقاً لما هو متاح لنا.
أما ما يتعلق بتأمين المكافآت والمحفزات لهم فهي مطلب محق لكننا نفتقد إلى النصوص القانونية التي تخولنا صرف المكافآت، لأن طبيعة هذه الأعمال لم تكن موجودة سابقاً، أضف إلى ذلك أنه لم يطلب أحد منهم أي مكافأة، لكنها نقطة مهمة أشرتم إليها بسؤالكم، ونحاول تعويض ذلك من خلال التواصل مع الجهات التي بحاجة إلى خبرات من المهندسين والطلب لتقديم خدمات مأجورة، إضافة لربطهم بسوق العمل.

طباعة