قد يكون هاجس المغرب الكامن بين السطور غير صدام المشرق الظاهر على ورقة الحرب المكشوفة  لكن كلا ضفتي أرض العرب تعيشان تواشجاً عميقاً في سياق الصراع الجوهري بين   فواعل المستقبل وحراس الماضي..ربما اختلف شكل التعاطي السياسي والعسكري مع معضلة  التيار الرجعي التكفيري في كلا الضفتين وربما حكمت لعبة التشكيلات السلطوية بعد النكبة   «الربيعية» بغزو هذا البغيض لمفاصل القرار في تونس وليبيا ومصر لبرهة من الزمن  فشوشت إلى حد ما على  البصيرة الاستراتيجية لدول المنطقة..لكن الكابوس انزاح كلياً في  مصر سنة 2013وانزاح جزئياً في تونس سنة2014ولا يزال مترسباً إلى حين في القاع   الليبي حتى انبثاق بارقة أمل للحل السياسي..أما في المشرق وعلى جبهة الممانعة السورية  الصلبة فإن مفردات الحرب ومجرياتها كانت صريحة ومباشرة حيث العدو معلن سافر،   وحيث الدولة السورية متصدية وصامدة ..والأهم في ناحية التواشج المشار إليه أن كل انتصار ميداني لسورية كان يُسمع صداه السياسي العميق في المشهد التونسي والليبي والمصري حيث   كثيراً ما أضعف شوكة «الإخوان» وأوهن مخالبهم على نطاق عربي واسع بل ضرب في العمق  غرف التحكم التي تسيرهم عن بعد في محور واشنطن- أنقرة- الدوحة.
والصدى نفسه يتردد الآن فكلما تقدم الجيش العربي السوري في كنس التيار الرجعي التكفيري   من ترابه الوطني، ازدادت أجندة «الأخونة» تبعثراً وتشظياً على المستوى القومي حتى أن   «قيادات الإخوان» الآن صاروا على هيئة خدم في ايالة عثمانية بائسة ينتظرون بالكاد لفتة صدقة مهينة من أنقرة التي صارت بدورها تستدر الشفقة الغربية والأمريكية بعد اندحار مؤامرتها الخسيسة على سورية…ووسط هذه الحيثيات لن يملك أحفاد البنا والمودودي سوى ممارسة ازدواجية   العادة الانبطاح حيثما يجب الانبطاح والتغول حيثما يتسنى التغول والتقية حيثما تجب التقية،  هم «ناعمون» في تونس إلى حد إثارة الريبة والشك..متوترون في ليبيا إلى حد الغليان المسلح..كامنون في مغاور سيناء بمصر حيث لم يعد لهم من ملاذ غير التآمر في السر.  والحاصل في القول: إنه مهما ظهرت الغيوم في هذه المرحلة ومهما تطايرت من هنا وهناك شظايا البقية الباقية من المؤامرة الدولية  فإن المشروع الظلامي يرسل زفراته الأخيرة ولن يسلم أحد  من الظلاميين من مصيرين: أن يكون منبطحاً منزوع الملامح الإيديولوجية كحاله في تونس والمغرب الأقصى، أو يكون مدحوراً بصفة قطعية كحاله في سورية ومصر وكما سيكون حاله في ليبيا حين تفصح الحرب الدائرة عن مكنونها  وعليه فإن التناغم حاصل لا محالة بين ملحمة الصمود السوري وكل ما يحدث على الضفة الغربية من الوطن العربي، وإن القناعة حاصلة بأن الميثاق القومي الجديد الذي دعا إليه الرئيس المنتصر بشار الأسد لن يضم في داخله غير النطاقات النيِّرة المؤمنة بالسيادة على الأرض وهذا يعني أن لا مكان لطيور الظلام في أي بارقة لمستقبل نريده أن يكون خارج نير الاستعمار والعمالة والمهانة.
نريد غداً جديداً على أنقاض الزفرات الأخيرة  لطيور الظلام، نريد غداً يتسع لأحلام الشباب العربي في مكان تحت الشمس وعلى قول شاعر الخضراء أبي القاسم الشابي في نشيد الجبار ..
النور في قلبي وبين جوانحي…….. فعلام أخشى السير في الظلماء.

*كاتب من تونس

طباعة