الذريعة في قواميس اللغة، هي الحجة والوسيلة التي يتمسك بها البعض لتبرير أفعال تخالف المنطق. والذريعة في السياسة، هي حدث عرضي أو مفتعل، يُستغل من جهة ما لتحقيق غاية أو مأرب محدد. وأكثر من استخدم الذرائع لتبرير أفعاله المنافية للقانون هي دول الاستعمار القديم والحديث.
انطلاقاً من هذا المفهوم فإن الدولتين الأشهر استعمارياً في التاريخ، ممثلتين بالاستعمار الفرنسي والانكليزي حينما كانتا في أوج سطوتهما وحملاتهما الاستعمارية، كانتا تتسابقان لتوسيع دائرة استعمارهما، وتالياً كانتا تتباريان في اختلاق ذريعة لكل احتلال.
بعد تحرر معظم المستعمرات الفرنسية والإنكليزية من مستعمريها، وظهور الغول الأمريكي بأطماعه اللا محدودة، لم تترك الولايات المتحدة دولة وشأنها من دون أن تدس أنفها في شؤونها الداخلية، فاكتسح التغول الأمريكي معظم دول العالم لدرجة جعلت من الولايات المتحدة الدولة الوحيدة التي ينتشر أكثر من 70% من جيشها خارج أراضيها. لذا كانت هذه الدولة العدوانية بحاجة لذرائع تبرر أفعالها المخالفة للشرائع والقوانين والمواثيق الدولية التي تدين بمجملها العدوان على الشعوب والمساس بسيادة الدول.
الإدارة الأمريكية السابقة واللاحقة انتهجت أسلوباً مفضوحاً منذ بداية الأزمة في سورية، فهما كلما أحرز الجيش العربي السوري تقدماً على الإرهابيين، أو حقق انتصاراً في إحدى الجبهات، أطلقتا العنان لمزاعمهما الكاذبة باتهام القوات السورية المتقدمة «باستخدام الغازات السامة ضد المدنيين» وذلك لتضليل الرأي العام، وتهيئته لقبول أي تدخل عدواني أمريكي يدعم العصابات الإرهابية المسلحة.
لقد استحضرنا في هذه العجالة بعضاً من الشواهد التاريخية التي تثبت أن اختلاق الذرائع الكاذبة وتوظيفها لتبرير الاعتداءات، هما اختصاص المعسكر الاستعماري الغربي وعلى رأسه الولايات المتحدة والكيان الصهيوني.
فحرب الذرائع التي عُرفت بهذا الاسم لأنها حرب «ناعمة» تسبق الحروب التقليدية والاعتداءات المسلحة، لم تتوقف منذ بداية العصر الاستعماري لكل من فرنسا وبريطانيا. وهي على مدى التاريخ اتخذت ذرائع بأشكال عدة تخدم غاية واحدة هي تبرير العدوان. وفيما يلي من فقرات نستعرض كماً ضئيلاً من الشواهد التاريخية التي تطعن بنزاهة المستعمر وتدحض افتراءاته وتفضح مزاعمه الباطلة.
ذرائع قامت على أحداث عرضية:  
– اتهام الولايات المتحدة لإسبانيا بتفجير السفينة «ماين» الأمريكية في مرفأ هافانا الكوبي عام 1898، ونجم عن ذلك أن شنت الولايات المتحدة الحرب على الجزر الإسبانية في البحر الكاريبي فاستولت عليها بما فيها جزيرة كوبا. وقد تبين بعد 82 عاماً بموجب اعتراف أمريكي أن الحادث كان عرضياً لا علاقة للإسبان بحدوثه، وأنه وقع بسبب انفجار محركات داخل السفينة.
– وفي مدينة الإسكندرية التي كانت تعج بالأجانب حينما وقعت مشاجرة بين عدد من المصريين والأجانب انتهت بمقتل العشرات من الطرفين. وفي هذه الأثناء كانت البوارج الإنكليزية قريبة من شواطئ الإسكندرية، فاتخذ الأسطول البريطاني تلك الأحداث الدموية ذريعة لقصف الإسكندرية الذي أدى لاحتلال المدينة عام 1882 بحجة حماية الرعايا الأجانب، أعقب ذلك احتلال مصر ولم تغادرها إلا في عام 1954.
– وثمة حادثة أخرى كانت وراء اندلاع الحرب العالمية الأولى هي اغتيال الأرشيدوق فرانز فرديناند مع زوجته من قبل طالب صربي، فحمَّلت النمسا والمجر مسؤولية الحادث لحكومة بلغراد، فأعلنتا عليها الحرب. وبعد شهر من حادث الاغتيال احتلت النمسا والمجر صربيا، وغزت ألمانيا كلاً من بلجيكا ولوكسمبورغ، وقبل أن تصل القوات الألمانية إلى فرنسا أعلنت بريطانيا الحرب على ألمانيا، بينما اشتركت روسيا في الحرب ضد النمسا والمجر. ثم انضمت تركيا العثمانية إلى جانب روسيا. وانتهت الحرب العالمية الأولى بانهيار الإمبراطوريتين العثمانية و«الألمانية النمساوية المجرية».
– وفي عصرنا الراهن، اتخذت الولايات المتحدة تفجيرات 11/9 ذريعة لاحتلال أفغانستان بصرف النظر عما إذا كانت الأحداث ناجمة عن فعل إرهابي أم مفتعلة. ولم تعترض أي من دول العالم على الرد الأمريكي العنيف الذي بلغ ذروته بالسيطرة الكاملة على هذا البلد. وبعد سنوات عدة كشفت وثائق أمريكية، أن خطة الهجوم على أفغانستان وضعت قبل 11/9/2001 وأنها كانت على طاولة بوش الابن تنتظر الذريعة.
– حاولت الولايات المتحدة استخدام الذريعة نفسها لاحتلال العراق لكنها جوبهت بمعارضة الكثير من الدول وعلى رأسها روسيا ما أجبر الولايات المتحدة على استبدال الذريعة بأخرى فكانت الذريعة الكاذبة «بامتلاك أسلحة الدمار الشامل».
ذرائع قامت على أحداث مفتعلة (مقصودة):
– في عام 1837 جنحت السفينة الهندية «داريا دولت» التي ترفع العلم البريطاني قبالة سواحل عدن، وقد طلب سلطان لحج مبلغ 1500 دولار لسحبها لكن القبطان لم يدفع سوى 1200 دولار فامتنع السلطان عن سحبها فغضب القبطان وأحرقها وادعى أن سفينته تعرضت لأعمال سلب ونهب من قراصنة عدنيين بأمر من ابن السلطان، فاتخذت بريطانيا من الحادثة ذريعة لاحتلال عدن لأكثر من قرن.
–  في عام 1881.. في عهد باي تونس محمد الصادق، وعلى الحدود بين الجزائر وتونس حيث تسكن قبائل «الخمير» التونسية، امتنعت قبائل «الخمير» عن دفع الضرائب الباهظة للحكومة. وفي الوقت نفسه قامت قوة فرنسية بافتعال مناوشات مع «الخمير» انطلاقاً من الجزائر التي تحتلها فرنسا، فخسرت بعض الجنود. اتخذت فرنسا الاستعمارية هذه الحادثة المفتعلة لإنزال قواتها في بنزرت بزعم أنها تريد تأديب قبائل «الخمير»، فلم يعترضهم محمد الصادق بجيشه لأنه كان هو الآخر يريد تأديبها. لكن المستعمر الفرنسي سرعان ما كشف عن نياته الحقيقية باحتلال عموم تونس التي لم يخرج منها إلا في عام 1956.
– بعد احتلال الجزائر وتونس كان من الطبيعي أن تتجه أنظار المستعمر الفرنسي نحو مراكش (المغرب العربي). ففي عام 1905 استقر طبيب أسنان فرنسي يدعى «موشان» في مراكش بهدف العمل. أنشأ مستوصفاً لهذه الغاية وكان يقدم خدمات مجانية للمحتاجين ويحسن معاملتهم، فحاز على تقدير الأهالي. ثم حوَّل المستوصف إلى مستشفى ورفع العلم الفرنسي عليه وثبت بجانبه جهازاً أجمع الأهالي أنه للتجسس. وعندما رفض الاستجابة لطلب السكان بإنزال العلم وإزالة الجهاز، هجموا عليه بالفؤوس والعصي فقتلوه. وبعد أيام قليلة من الحادثة تحركت قوات فرنسية كبيرة من الجزائر فاحتلت مدينة وجدة المغربية، ثم ما لبثت أن احتلت عموم مراكش.
– وتعد حادثة البارجة لوسيتانيا الأمريكية التي دمرتها القوات الألمانية عام 1915 من الحوادث الشهيرة التي اتخذتها الولايات المتحدة ذريعة لدخول الحرب العالمية الأولى ضد قوات المحور. وقد تبين فيما بعد أن السلطات الأمريكية هي التي سربت معلومات للجيش الألماني عن تلك البارجة ليُصار إلى تدميرها وقتل بَحَّارتها.
ذرائع قامت على أحداث وهمية
وهي أحداث كاذبة لا وجود لها، ادعتها الجهات الراغبة في الاعتداء على غيرها لتبرير عدوانها. ومن أمثلة ذلك الذريعة (الفضيحة) التي كانت سبباً لاحتلال الولايات المتحدة أراضي فييتنام حين ادعت أن سفينة أمريكية تدعى «مادوكس» قد أغرقها الفييتناميون في خليج تونكين الفييتنامي عام 1964، فكان الرد الأمريكي على هذه الحادثة الوهمية هو الحرب الشاملة على فييتنام الشمالية التي راح ضحيتها أربعة ملايين فييتنامي وعشرات الآلاف من الأمريكيين، ليخرج بعد أربعين سنة وزير الدفاع الأمريكي آنذاك روبرت مكنمارا، معلناً أنه لم تكن هناك سفينة أمريكية في خليج تونكين والفييتناميون لم يغرقوا شيئاً.
وفي عصرنا الراهن، ادعت إدارة بوش الابن عام 2003 «وجود أسلحة دمار شامل» في العراق. واستخدمت هذه الذريعة لاحتلال العراق بعد فرض الحصار على شعبه مدة 13 عاماً. وقد انكشف للعالم أجمع كذب الإدارة الأمريكية.
وإذا كانت الذريعة مهمة للولايات المتحدة، فهي أكثر أهمية للكيان الصهيوني العدواني الذي مارس اللعب على حبالها. ففي عام 1982 عندما خطط جيش الاحتلال لغزو لبنان تذرع بحادثة كاذبة أوهم العالم من خلالها بأن سفير الكيان الصهيوني في لندن قد تعرض لمحاولة اغتيال، فترتب على هذه المزاعم احتلال بيروت، قبل أن يُرغم الاحتلال على الانسحاب القسري منها بفضل المقاومة الوطنية اللبنانية.
ذرائع قامت على أحداث واهية
ربما وقع حادث بسيط لا يستحق أكثر من اعتذار، لكن القوى الاستعمارية ضخمت هذا الحادث لتجعل منه ذريعة مناسبة تبرر احتلال دولة لدولة أخرى. والمثال على ذلك أن فرنسا كانت مديونة للجزائر بـ 24 مليون فرنك فرنسي منذ عهد نابليون بونابرت ثمن استيراد سلع زراعية على رأسها القمح. في عام 1827 كان قنصل فرنسا بالجزائر يزور الداي حسين، فطالبه الأخير بسداد بلاده الديون المستحقة عليها. فرد عليه القنصل بطريقة استفزازية مسيئة لوالي الجزائر، فصفعه الداي حسين بمروحة كانت بيده، ورداً على هذا الحادث أرسل ملك فرنسا شارل العاشر جيشاً من40 ألف جندي لاحتلال الجزائر بذريعة «الثأر لكرامة» بلاده.
التغاضي عن حادثة لاتخاذها ذريعة
في عملية بيرل هاربر عام 1941 وهي العملية التي دخلت بموجبها واشنطن الحرب العالمية الثانية إلى جانب الحلفاء، واستخدمت السلاح النووي لقصف مدينتي هيروشيما وناغازاكي. تبين لاحقاً أن القيادة العليا الأمريكية كانت تملك معلومات دقيقة عن طبيعة العملية وموعد تنفيذها قبيل وقوعها بوقت كاف، لكنها لم تضع القيادة المركزية في هاواي بصورة المعلومات لتفادي الخسائر الكبيرة التي نجمت عنها.
وفي السياق نفسه، أفادت بعض المصادر الصحفية بأن أحداث 11/9 كانت الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على علم بوقوعها، لكن واشنطن تغاضت عن اتخاذ الإجراءات لمنعها، كي تتخذها ذريعة لغزو أفغانستان.
بعد هذا العرض المختزل لبعض الذرائع التي كانت سبباً في اعتداءات استعمارية على شعوب آمنة في أوطانها، يخرج المتابع باستنتاج صريح أن ما ادعته الدول الاستعمارية قديماً، وما تدعيه الولايات المتحدة الدولة الاستعمارية الأكبر راهناً، هو استمرار ممجوج لحرب الذرائع التي مارستها الدول الاستعمارية منذ بداية عصر الاستعمار إلى اليوم.
والآن توظف الإدارة الأمريكية أكذوبة «استعمال أسلحة كيماوية» في الغوطة الشرقية كذريعة لشن عدوان على سورية، متجاوزة كل المساعي الدولية للتأكد مما إذا كان هناك فعلا أسلحة كيماوية، ومعرفة الفاعل إذا ثبت استخدامها.
إن الزعم بأن «الأقمار الاصطناعية الأمريكية كشفت عن استخدام غاز الكلور»، فإن الاتحاد الروسي يملك هو الآخر أقماراً اصطناعية أكثر دقة ولم تشاهد ما شاهدته الأقمار الأمريكية! هذا إضافة إلى قيام أجهزة المخابرات الأمريكية بمنع تداول خبر نشرته وكالة الأناضول التركية عن اعتقال شبكة من تنظيم «جبهة النصرة» الإرهابي كانت تحمل معها كمية من غاز السارين.
أخيراً، إن العديد من دول العالم توقن أن الولايات المتحدة الأمريكية كاذبة في كل ادعاءاتها بشأن سورية، وأن مزاعم «الكيماوي» باطلة من أساسها، وهي ذريعة أصبحت مهترئة من كثرة استعمالها. أما الدول التي ما زالت الغشاوة تغطي عيونها فحجبت عنها الحقائق، فلا نملك إلا أن نقول: اقرؤوا التاريخ جيداً ففيه ما يزيل عن أعينكم الغشاوة.

*كاتب من فلسطين

::طباعة::