يثبت الطلبة السوريّون المنتشرون في البلدان المتقدّمة جدارتهم العالية، وندَيتهم التي تتعالى فوق الشكّ، في سياق تحصيل مختلف العلوم التي كانت هي الأساس الأمتن لبناء التقدّم الراسخ في البلدان المتقدّمة، ولا يتعلّق الأمر بـ(العبقرية) الإقليمية التي يدّعي بعضهم وجودها تلقائياً لدى هذه الفئة، أو هذه الأمة أو تلك، فالعبقرية موجودة بصيغتها الفردية، وإذا كان لنا أن نفسّر تفوّق طلبتنا السوريين في البلدان المتقدّمة، فالسبب ماثل أساساً في التأسيس العلمي المتين الذي وفّره لهم نظام التعليم السوري قبل أن تأتي بقيّة الأسباب الأخرى التي تتضمّن التكوين الذهني، والذكاء الفردي للشخص.
وفي هذا السياق، يحسن التفكير بنظامنا التعليمي، والعمل المنوط بالدولة والمجتمع من أجل تحسينه، ودفعه إلى الأمام، ويبدو ما نثيره الآن مندرجاً في سياق البدهيات، والوعظ المجاني السقيم، والمزايدة وما إلى ذلك، ولكننا دائماً أمام إمكانات متاحة للعمل الممكن في سياق تحسين العملية التربوية في عمومها، وفي تفاصيلها، ومجرياتها الفعلية على أرض الواقع، مع الإقرار باستحالة منح هذا الممكن أي أولويّة على سواه من القضايا الملحاحة الأخرى، وممّا يبدو قائماً في حيّز الإلحاح، من وجهة نظري، أنْ يُعاد النظر بشكل جدّي بالوقت الذي يمنحه نظامنا التعليمي للطالب السوري في مختلف المراحل التعليمية، بما فيها الجامعية، ولا ضير من إجراء مقايسة تبدو ظالمة للجانب السوري من المسألة: فعدد الحصص الدرسية اليومية التي يتلقّاها الطالب في البلدان المتقدّمة هي أكثر من الحصص التي يتلقّاها الطالب السوري، وعدد أيّام الدراسة الفعلية خلال العام الدراسي الواحد أكثر بفرق حاسم، ناهيك بالأنشطة المتاحة للطالب – بما يشبه الفرض – خلال أوقات العطل، ومن التلقائي أن يكون مستوى التحصيل الفعلي للطالب الذي ينال كمّية أعلى من الحصص خلال العام أفضل من مستوى من يتلقى حصصاً أقلّ، وأوقاتاً تعليمية أقلّ، في حال نحّينا بقية العوامل التي يعرفها الجميع.
لا تغيب عن الأذهان أمورٌ جوهرية، منها أنّ رواتب العاملين في الحقل التربوي رواتب متدنّية جداً، تجعل مطالبتهم بساعات عمل أطول ظلماً فادحاً، ومنها أنّ المناخ السوري الصيفي الحارّ يحول دون اقتطاع أوقات مناسبة للتعليم من فصل الصيف، ومنها أنّ الميزانية التي تخصّصها الدولة للتربية ميزانية متدنّية تجعل التفكير بتكثير الحصص المدرسية عملاً يجافي الممكن، ولكنْ، رغم ذلك جميعه لابد من العمل الجدي في هذا السياق.

::طباعة::