أذكر بحنين غامض وامتنان كبير آنستي في المرحلة الابتدائية «زبيدة» التي كانت تشعرني وتشعر كل طالب عندها أنه مميز وله خصوصية, كأن لا أحد في العالم يمتلكها غيره, فيما بقيت هديتها لي تلوّن أيامي وأحلامي زمناً طويلاً.
كذلك أذكر أستاذي «أكرم السعدي» الذي عشّبنا في الوقت الصحيح نحن طلاب الصف السادس, من إشنيات المحفوظات, وسرخسيات الخطابات «البلا طعمة», وحرث تربة أفكارنا وهوّاها بطريقته الفريدة في التدريس والتربية معاً, وبإخلاصه في جعلنا نحلّق مع آلهات الشعر المجنحة نحوم حول تخوم الخيال.. وأيضاً بقيت هديته لي تذكرني بأن المعلم يكاد يكون قدّيساً انطوى فيه الكون الأكبر.
اليوم أنتبه بفزع حقيقي إلى أن العملية التعليمية تكاد تشبه «مفرخة» لطلاب مستنسخين لا فرق بينهم عند بعض الأساتذة ومديري المدارس إلا بما يقدمونه لهم من هدايا براقة من مبدأ «طعمي التم بتستحي العين», أو بما يحصّلونه من التلاميذ كـ«دروس خصوصية» يتم فيها «شفط» وامتصاص رواتب الآباء حتى آخر قرش, وما خبأته الأمهات من ليرات وقهر وخوف على مستقبل أبنائهن!.
بربكم لا تقولوا لي إنني أبالغ وإن كلامي موجع, وقبل أن تفعلوا وتطلقوا علي رشاشات انتقادكم, اسألوا: لماذا تحوّل بعض المعلمين من مرتبة شرف عظيمة إلى مفكرين فقط بالربح المادي عبر الدروس الخصوصية؟ ولماذا تتحول بعض المدارس إلى مضافة يجتمع فيها ما هبّ ودبّ من معلمين وموجهين ومرشدين نفسيين وعاملات وعمال تنظيف داخلين بكؤوس الشاي وخارجين بفناجين القهوة, فيما الطلاب لا يزالون كل يغنّي «لحن الحياة» على هواه كالحملان والسخلات السعيدة بحياتها يدبكون و«ينطوطون» على الزعيق وطبول «جنوا نطوا» في الوقت نفسه!.

::طباعة::