منذ وقعَتْ بين يديَّ دواوينُ الشِّعْر الثّلاثة وعلى أغلفتِها وَسْمُ جوائزَ نالها الشُّعراء، اتَّخَذْتُ جِلْسةَ من خلا إلى نفسه على ضوء خافت ومشروبٍ دافئ، ليترك للشِّعْر أعِنَّتَهُ التي أترَعَتْ كؤوس «عمرو بن كلثوم» بخمْرِ الأندرين وطوّفَت بالملك الضِّلِّيل «امرئ القيس» وأقلقَت مضجعَ «المتنبّي» كالرِّيح، لا تستَقرُّ تحتَه! لكِنْ سرعان ما ذاب حبرُ الصّفحة الأولى كأنّه لطخة انسكب عليها ماءٌ من يدٍ راجفة! وتقطّعَت الفقراتُ المرصوصة فما اكتَمَل منها معنى ولا تلبّثت صورة! قلتُ: -لعلّي أبلغ في الدّيوان الثّاني عتبةً شعرية ما، لكنّ الشُّحوب كان أشدّ والصّوتَ الدّاخليّ بلغَ حدَّ البُكْم، فكيف بالدّيوان الثّالث الذي ارتطَمَت فيه حصَواتٌ خرساء، استحال على صاحبها أن يرصفَها ولو بطريقة معمارٍ بدائيّ!.
نيّةُ الشُّعراء المعلَنة هي «الطُّموحُ إلى تجديدِ الخطاب الشِّعريّ عبْرَ خيالٍ متمرّدٍ على السّائد!» لكن أين الخطاب الشّعري بل أين الشِّعر في هذا الخمول اللغويّ لنلمس التَّجديدَ فيه؟… ماذا لو كنتُ غيرَ منصفة وقد مرّت هذه القصائدُ من مصفاةِ شعراءَ بمرتبة مُحَكِّمين؟ في لحظةِ الشّكِّ هذه بزغَ «أرسطو» لأوّل مرّة في أزمنة مطالعاتي قاطبةً، وتذكّرتُ كتابَه «الشّعر» الذي ما احتجتُه لأنني ابنةُ أمّةِ الشِّعْر، ذاك الذي ترك الفلسفة جانباً وأتى إلى هذا الفنّ الرّفيع لأوّل مرّة في تاريخ الفكر الإنسانيّ، وشغل كلّ ثقافات العالم برؤيته له، لابدّ أنّه أرسى قواعد أصيلة لا تضيع بالتَّقادم الزمنيّ، وهو الذي رجَّحَه على التّأريخ ورأى أنّه أكثر نزوعاً فلسفياً لأنَّه يروي الكُلّيَ بينما يروي التّأريخُ، الجزئيّ!.
صدقُ الشّعر عند أرسطو أو قيمتُه الرَّفيعة ليس في مطابقة العبارة للواقع بل في محاكاة الواقع أو تخيله، وفضيلة «هوميروس» أنّه علّم الشّعراء كيف يحتالون كي يوهمونا بصدق العبارة وبأنّ الحدثَ المزعوم قد وقع فعلاً، وهذه حيلة تقوم على أنّ العقلَ إذا كان أمام واقِعَتَيْن مترابطَتَيْن عَرَضَاً وصَدَقَت إحداهما، توهّمَ صدقَ الأخرى، وهذا الأمر يفيد الشاعرَ في صَوْغِ الحبكة الدّرامية في شعره!
لم أغمط هذه «الأشعار» حقّها إذاً، لأنها لم تأتِ من، أو على، حدَثٍ مزعوم، يلتمس من الخيال مراكبَ وأجنحة ويغرف من محيطات الأعماق مشاعر ولآلئَ معارفَ لغويةٍ وبلاغية ليدهشنا بحبكة درامية وخَطْفٍ إبداعيٍّ، بل اقترافُ ذنبٍ بحقِّ أعلى الفنون مكانةً، وليت ذوي الشّأن لا يباركون هذا الذّنب ويشاركون فيه ويملكون شجاعة القول لمن يقاربونه:- دعوا الشعر للشعراء لأنه ليس ذّنْباً لتقترفوه ثم تطلبون بعده الغفران!.

::طباعة::