أربك رئيس مخفر أم الطنافس أهل القرية (الافتراضية في مسلسل ضيعة ضايعة) عندما جمعهم وطلب منهم الكف عن تمسيح الجوخ والتملق، وبالمقابل التعبير عن رأيهم بوضوح، لكن أهالي أم الطنافس الذين اعتادوا التملق لرئيس المخفر المساعد أدهم والذي يلقبه مختار القرية «دهيمان» كناية عن وصفه بالثعلب والتملق أيضاً لشرطي المخفر الوحيد حسان، الذي يحلم برفع كل أهل القرية نساءً ورجالاً «فلقة»، أربكهم الطلب، فنظرية الوضوح كانت معكوسة في قريتهم، لأن الختيار «صويلح» وزوجته صاحبي الدكان الوحيد في القرية، لم يكونا يسألان رئيس المخفر والشرطي حسان عن مشترياتهما أبداً وكان كل ما يأخذان منه مجانياً، وبالطريقة نفسها كان كل أهل أم الطنافس يتعاملون مع عناصر المخفر بدءاً من المختار البيسة وانتهاء بعويدل الفساد، فخدماتهم مجانية مهما كان نوعها وتملقهم لا حدود له، ففضلوا في النهاية الدخول إلى السجن بتهمة التملق على أن يعبّروا عن رأيهم بوضوح!
ويبدو أن نظرية الوضوح التي بدأت من الضيعة الضايعة ذات حلقة من المسلسل، قد أغرت الكثير من المؤسسات، تحت يافطة «عين المواطن» وبدأت الأخيرة بمطالبة المواطن بالكف عن التذمر و«التمسكن» ولعن الظروف والأحوال, كما لعن القوانين القاصرة والمؤسسات المعنية بحماية حقوقه صغيرها وكبيرها، وحضه في النهاية على الانتقال إلى طرق أبواب هذه المؤسسات المعنية والتعامل معها بالشكوى مباشرة بدلاً من الشكوى على وسائل التواصل الاجتماعي، ومن الواضح أن هذه المؤسسات قد أسقط في يدها ولم تعد تجد بديلاً عن هذا الطلب من المواطن، بعد أن يئست من وضع آلية لتنفيذ القانون بواسطة موظفيها مباشرة وأصبحت تتسابق في حجز التطبيقات الإلكترونية للوصول إلى عين المواطن وقلبه، في طريقها إلى الأسواق والمحال التجارية التي تعلن عن نفسها صراحة، ونظرية الوضوح عندها لا تكلفها أكثر من طباعة فواتير وملصقات تضعها أمام موظفي أو مراقبي المؤسسات وينتهي الموضوع دائماً بعبارة «كل شي نظامي»وعلى المواطن الاقتناع بأنه كان على خطأ.
وتبقى «عين المواطن» المتجددة لا تحقق إلا الدعاية المضادة «لنق المواطنين» الذين يظهرون كمتلكئين عن التعاون مع هذه المؤسسات والنتيجة يتم إبرازها بالأرقام.

طباعة