هل يملك تيلرسون ومساعدوه مجموعة الأدوات الدبلوماسية اللازمة والمناسبة لكل محطة توقف عندها أثناء جولته في القارة السمراء، وهل نجح في دحض التوقعات السائدة بأن شروق شمس الصين في افريقيا هو غروب شمس أمريكا؟
من الناحية السياسية تبدو جولة تيلرسون منطقية بصفته وزيراً للخارجية الأمريكية، وبعيداً عن كونه سياسياً فإن توقيت الزيارة لم يكن عبثاً، فقد أدار تيلرسون إحدى أكبر الشركات المملوكة للقطاع العام في العالم وهي شركة إكسون منذ عام 2006 وحتى العام  2017، ما يؤكد أنه يلقي بظلاله الاقتصادية على السياسة ويعمل على توظيف السياسة في خدمة الاقتصاد.
اللافت وكما تناولته وسائل الإعلام والتحليلات السياسية ومنها صحيفة «نيويورك بوست» الأمريكية فإن  زيارة تيلرسون إلى إفريقيا جاءت  في تشرين الثاني في أعقاب الاجتماع الوزاري الذي استضافته وزارة الخارجية الأمريكية لـ 37 دولة إفريقية مع الاتحاد الإفريقي، للتخلص من الفوضى الناجمة عن تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي وصف بها الدول الإفريقية بـ«الدول القذرة»، ولكن حقيقة الأمر أن الولايات المتحدة ترمي إلى أبعد من الاعتذار بشكل غير مباشر، إنها باختصار تجد في القارة الإفريقية فرصة  للنمو الاقتصادي والتصدي للتحديات العالمية، من دون أن يغيب عنها دور الصين التي تعيد إحياء طريق الحرير بقوة.
إن الصين وكما هو معروف تفضل المصالح الاقتصادية على السياسية وعلى هذا الأساس تتجه نحو تنفيذ سياسات أكثر تعقيداً في القارة الإفريقية، حيث تسعى للتوسع اقتصادياً الأمر الذي يدعم وجودها العسكري هناك.
في عام الـ2000 ازدادت المصالح الصينية في إفريقيا بشكل كبير، وإلى جانب ذلك تضاعف حجم التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا، مستندة في ذلك على منطق يختلف عن السياسة الغربية في التعاملات الاقتصادية مع دول مثل إفريقيا يتجلى في منح القروض الميسرة وإقامة الاستثمارات من دون شروط، إضافة إلى المساعدات العينية، فعادة ما يتم إيداع الأموال الصينية في حسابات مضمونة في بكين ثم يتم وضع قائمة بمشاريع البنية التحتية المطلوبة، وتحصل الشركات الصينية على عقود مشاريع في إفريقيا وهنا يتم تحويل الأموال إلى حسابات هذه الشركات، وبذلك تحصل إفريقيا في نهاية المطاف على الخدمات والمشاريع اللازمة …وليس على النقدية التي تذهب إلى جيوب المسؤولين الفاسدين وحساباتهم النقدية، في حين تحصل الصين على سمعة طيبة وامتنان الشعوب الإفريقية لمجهوداتها. وفي السياق ذاته، تسعى الصين للنفاذ إلى مصادر المواد الخام، وتعد هذه المسألة بالنسبة لها واحدة من أهم الأولويات، التي من شأنها أن تمكنها من معالجة مشاكلها الاقتصادية. وبالتالي، يبدو أن جيبوتي ليست مستثناة من الخطة الاقتصادية الصينية في إفريقيا، فعلى الرغم من أن هذا البلد الصغير ليس لديه أي موارد طبيعية، إلا أنه يحظى بأهمية بالغة بالنسبة لبكين. وفي هذا الإطار، يعد ميناء جيبوتي المنفذ الوحيد للبحر الذي سيُمكن الصين من نقل الموارد والثروات الطبيعية القادمة من أثيوبيا المجاورة. وسنة 2016، قامت الصين ببناء سكة حديدية تربط بين أديس أبابا وجيبوتي، التي تساعد على نقل البضائع نحو ميناء جيبوتي ومنه إلى الصين. فضلا عن ذلك، وُقّعَ تأسيس الشركات الصينية على بعد 25 كم من العاصمة جيبوتي، وتتمثل مهمة هذه الشركات الصينية في إعادة بناء ميناء جيبوتي ما يخولها أن تصبح من أكبر الشركات في مجال تصدير المواد الخام القادمة من المناطق الداخلية في إفريقيا.
وتعد القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي إحدى أهم حلقات «سلسلة اللؤلؤ» التي تشكلها الصين بين آسيا وإفريقيا. وظهر مصطلح سلسلة اللؤلؤ سنة 2004، لدى الباحثين الأمريكيين تعليقا على طموحات الصين الاقتصادية على المحيط الهندي.  ووفقاً للخبراء الاقتصاديين، لن تكتفي الصين بإنشاء طرق تجارية من جنوب الصين إلى البحر الأبيض المتوسط عبر بحر الصين الجنوبي ومضيق ملقا، ثم إلى المحيط الهندي وباب المندب والبحر الأحمر وقناة السويس، بل ستواصل الامتداد من خلال العمل بنشاط لبناء القاعدة العسكرية الصينية الأولى في إفريقيا التي ستعزز مكانة الصين في القارة السمراء.
كما تسعى الصين لتوسيع نشاطها الاقتصادي في جميع أنحاء العالم وتعمل بشكل خاص على ضمان أمن طرق النقل في أهم محاور النقل العالمية. وأضاف الخبراء: تحرص الصين أولاً وقبل كل شيء على ضمان سلامة طرق المنتجات النفطية التي تم شراؤها من قبل، حيث تعد سلامة هذه الطرق حيوية جداً بالنسبة للصين من أجل حماية واردتها النفطية التي تم شراؤها من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
ووفقاً للخبراء، فإن الصين من جهة تواجه خطر الإرهاب الدولي، ومن جهة أخرى، تواجه منافسة شرسة من قبل الولايات المتحدة. وحسب وجهة نظر أغلبية المحللين السياسيين، سيجعل الصدام العسكري الأمريكي مع الصين مسألة صمود القاعدة العسكرية الصينية في جيبوتي أمراً صعباً، وعلى الرغم من ذلك فإن العلاقة التنافسية بين الصين والولايات المتحدة لا تزال قائمة ، تجمعهما العديد من النقاط المشتركة وسبل التعاون في المجال الاقتصادي، إذ إن حجم التبادل التجاري بينهما يصل إلى ما يقارب 600 مليار دولار.
في المقابل، يجهد الأمريكيون من أجل تعزيز مكانتهم في آسيا والمحيط الهادي من خلال إقامة العديد من التحالفات المختلفة. أما في إفريقيا قد تبدو العلاقات معقدة نوعاً ما، حيث تحاول الصين قلب موازين القوى إلى صالحها، لذلك تعد مسألة إنشاء القاعدة العسكرية خطوة فارقة في سبيل تحقيق ذلك.
يرتبط أمن الولايات المتحدة وازدهارها الاقتصادي بإفريقيا وسيزداد ذلك ويتعزز في العقود القادمة لعدة أسباب لعل أهمها:
أولاً، التحول الديمغرافي الرئيسي بحلول عام 2030 حيث إن ستمثل ربع القوى العاملة في العامل، وفي عام 2050 من المتوقع أن يتضاعف عدد سكان القارة إلى 2015 مليون شخص منهم 70% دون سن الثلاثين.
ثانياً، ستشهد إفريقيا نمواً اقتصادياً كبيراً حيث يقدر البنك الدولي أن إفريقيا ستكون في المرتبة السادسة بين أسرع 16 اقتصاداً في العالم . على سبيل المثال سيكون عدد سكان نيجيريا أعلى من عدد سكان الولايات المتحدة وسيفوق حجم اقتصادها استراليا . ولفهم الأحداث العالمية لا بد من إدراك أن افريقيا هي جزء من المستقبل لأنها ستلعب دوراً أكثر فاعلية في العديد من التحديات الدولية المتعلقة بالأمن والتنمية .
وعلى الرغم من أن إفريقيا غنية بثرواتها إلا أن ثمة تحديات وفرصاً مشتركة تنتظرها ترى الولايات المتحدة أن حيوية إفريقيا تنعكس في شبابها، ولكن تزايد عدد الشباب يعني الحاجة إلى مزيد من فرص العمل، ومع ازدياد عدد الأفارقة الذين يخرجون من براثن الفقر، ستحتاج الأمم إلى المزيد من البنى التحتية والتنمية. وإذا تُرك الشباب من دون وظائف وأمل في المستقبل، سيكونون محل استغلال الإرهابيين لهم بما يؤثر على الاستقرار الحكومات والدول. النقطة نفسها تستغلها الولايات المتحدة للحفاظ على وجودها في القارة الإفريقية  بحجة جعل البلدان الإفريقية أكثر مرونة واكتفاء ذاتياً كما تدّعي.
إن إفريقيا تجد في الصين شريكاً اقتصادياً مناسباً بعد أن أبدى لها كل الاحترام على قاعدة التعاون المشترك وتأمين العيش الكريم لأبنائها بعد أن عاشوا زمناً طويلاً يعانون سطوة الاستعمار الغربي الذي حرمهم حتى بعد الاستقلال من الاستفادة من خيرات بلادهم وعمل على استمرار هذه السطوة بالاقتصاد والعسكرة.

::طباعة::