تحتاج الولايات المتحدة الكثير من الحظ لتكسب في جولة «الوقت بدل ضائع» على الساحة الإفريقية، إذ يبدو ظاهرياً أنها استفاقت فجأة لتجد نفسها محشورة في زاوية الوقت الذي كسبته قوى أخرى لتعزيز وجودها في أهم وأخطر مواقع الوجود والنفوذ الأمريكي  في القارة السمراء. أما عملياً، فإن سلسلة أخطاء قاتلة في السياسة الأمريكية هي من قادت إلى ذلك، مُضافاً إليها تغير الموقف والنظرة (والمزاج العام) في العديد من الدول الإفريقية حيال الأمريكي  مقارنة مع غيره مثل الصيني أو الروسي.
وعملياً، لم تستطع الولايات المتحدة منذ بداية هذه الألفية أن توقف زحف القوى الدولية باتجاه «إفريقيا المستقبل»، كما وصفها وزير الخارجية الأمريكي  ريكس تيلرسون عشية جولته الحالية على خمس دول إفريقية (إثيوبيا، كينيا، جيبوتي، تشاد، والنيجر) ومن المقرر أن تنتهي اليوم.
وعملياً أيضاً، ربما لم تكن السياسة الأمريكية موفقة في اختيار تيلرسون لمهمة اللعب في «الوقت الضائع» في ظل حالة «الاشتباك» المتصاعدة بينه وبين رئيسه دونالد ترامب الذي يكاد يخرج عن السيطرة ويدفع بتيلرسون إلى نقطة أخيرة.. الإقالة أو الاستقالة، ما يعني أن الاشتباك وصل أقصاه في مسألة إدارة السياسات الخارجية، علماً أن تيلرسون ليس وحده في الجهة المواجهة لترامب بل يصطف معه الكثير من المسؤولين الذين نراهم يستقيلون تباعاً.. وعليه، هل اعتمد تيلرسون في جولته الإفريقية هذه رؤيته أم رؤية ترامب؟ وفي حال كان أعلن موقفاً أو قدم تعهدات أو أعطى وعوداً ثم عاد إلى واشنطن ليجد ترامب غير راض ٍ عنها ليُسقطها لاحقاً بـ «تغريدة» كارثية على «تويتر» فماذا سيفعل حينها تيلرسون؟ لا نعتقد أن رؤساء الدول المشمولة بالجولة سيثقون أو سيأخدون كثيراً بما عرضه، على الأقل سيؤجلون ذلك بانتظار «تغريدات» ترامب.
وعملياً، إذا كانت الولايات المتحدة تنام وتصحو على «الكابوس الصيني» الذي ترى واشنطن أنه يريد أن «يأكل الأخضر واليابس» في إفريقيا، حسبما نفهم من تصريحات تيلرسون، إذا كان الحال كذلك وإذا كانت الولايات المتحدة تخطط لتكون المرحلة المقبلة مرحلتها أيضاً وليس مرحلة الصين أو روسيا أو أي دولة أخرى، ربما كان على ترامب نفسه أن يقوم بهذه الجولة (كما فعل سلفه أوباما) ليثبت للأفارقة أن القارة هي فعلاً إحدى أولويات الولايات المتحدة وليسوا بـ «حثالة» كما وصفهم ترامب.. وليَقُل العالم ما يشاء في ترامب حينها، وليَصف جولته بالاعتذارية أوالتراجع أوالتنازل أو الاعتراف بالخطأ.. لا يهم مقارنة بما ستكسبه بلاده من قيامه بذلك.  لكن ترامب لن يفعل، عقلية التاجر المتسلط الاستغلالي الانتهازي الذي يستنزف زبائنه (أي ضحاياه) حتى النفس الأخير هي ما يمنعه من ذلك، والأهم الذي يمنعه هو مصطلح «الحثالة» الذي استخدمه، والذي يعبر فعلياً عن نظرته الحقيقية للأفارقة. إنه يتقزز منهم ويحتقرهم. هذه بالضبط الترجمة الحرفية لكلمة حثالة، ونعتقد أنه سيمضي وقت طويل قبل أن يتجاوز الأفارقة هذا الوصف، وإذا تجاوزوه فلن يتجاوزه التاريخ الذي سيسجله في صفحاته ليخرج في كل مناسبة، وليرى العالم في كل مرة حقيقة الولايات المتحدة.
لكل ما سبق لم يفرط تيلرسون، ولا الإعلام الأمريكي ، في الحديث عن الجولة والنتائج المأمولة، حتى أن مسؤولاً كبيراً في الخارجية الأمريكية وصف الجولة بأنها ستشكل «بداية وحواراً» و «رحلة للاستماع»، وكأن الولايات المتحدة بدأت تواً علاقاتها مع إفريقيا، أو أن أزمة خطيرة ألمت بالعلاقات فأعادتها إلى نقطة الصفر وبما يتطلب بداية جديدة تقوم على «الحوار والشراكة»، كما يدعي تيلرسون وغيره من المسؤولين الأمريكيين، هذا ما تريده الولايات المتحدة حالياً فماذا يريد الأفارقة؟
المراقبون يرون أن الأفارقة اليوم أمام فرصة تاريخية للتفلت من السطوة الأمريكية والاتجاه أكثر نحو قوى- مثل روسيا والصين- تتعاون معهم وتريد توسيع هذا التعاون وفق مبدأ المكاسب المتبادلة، وعملياً يمكن رصد تحرك فعلي من بعض الدول الإفريقية في هذا الاتجاه.

بداية غير موفقة، إن لم نقل غبية، كانت فاتحة جولة تيلرسون، ويبدو أنه لم يقرأ جيداً المشهد الإفريقي المتحول ما بعد عام 2009 تحديداً، أي ما بعد تحول الصين إلى شريك تجاري أول للقارة الإفريقية ودخول شركاء آخرين كروسيا مثلاً، وتركيا (وحتى السعودية والإمارات) إضافة إلى الشركاء القدماء فرنسا وبريطانيا.
لم يقرأ تيلرسون المشهد جيداً فأخطأ في الخطاب، وأعاد ترديد المصطلحات نفسها من دون أن يأتي بجديد أو يقدم بديلاً سوى الدور الأمريكي  نفسه والمستمر في إفريقيا والذي يتركز على العسكرة أو ما تسميه الولايات المتحدة القضايا الأمنية ومكافحة الإرهاب وحماية الدول الإفريقية منه ومن هجماته… هل الولايات المتحدة تحمي إفريقيا من الإرهاب فعلاً؟
هذا سؤال بات يتردد بقوة على الساحة الإفريقية والذي قاد بدوره إلى التساؤل عن جدوى التركيز الأمريكي  على العسكرة وليس على التنمية والتطوير الاقتصادي.. فإذا كانت الولايات المتحدة تعترف بلسانها أن الفقر واليأس هما من يقود الشباب الإفريقي للانخراط في المنظمات الإرهابية، وإذا كانت العسكرة الأمريكية بعد عقود طويلة لم تقض على هذا الفقر واليأس بل ضاعفت وعمقت هذا الفقر واليأس، وتالياً دفعت بالمزيد من الشباب إلى أتون المنظمات الإرهابية ثم تأتي الولايات المتحدة لتحاربهم وهم صُنع يدها ونتاج سياساتها، فهذا يعني أن سياسة التفقير والتيئيس هي سياسة معتمدة ونهج ناجح بالنسبة للولايات المتحدة لأن الفقر واليأس والتذرع بمكافحة الإرهاب هو من يبقيها متسلطة جاثمة على صدر الدول الإفريقية. هكذا تحمي أمريكا وجودها ونفوذها في إفريقيا، هذا هو الهدف وليس حماية إفريقيا من الارهاب. لكن هذا المشهد اختلف اليوم أو لنقل بدأ يختلف ويتغير.
هذا ما بدأ الأفارقة يدركونه جيداً ويتغيرون وفقاً له ويرسمون توجهات وسياسات جديدة لهم بعيداً عن واشنطن.. وهذا المشهد هو الذي لم يقرأه تيلرسون جيداً. المسألة ليست في من يسيطر ومن يهيمن بل في من يساعد ويقدم العون المالي (الاقتصادي) للنهوض من حال الفقر واليأس قبل أن يتحول إلى إرهاب وإرهابيين.
لولا الصين ..!؟
لنعيد التذكير بما قاله تيلرسون في أديس أبابا- أثيوبيا في مؤتمر صحفي مع رئيس مفوضية الاتحاد الإفريقي موسى فكي محمد (الخميس الماضي) . تيلرسون ركز على الصين بصورة أساسية مقابل تهميش القضايا الأخرى، وبدا الأمر أنه لولا الصين والمخاوف والغضب الأمريكي  من تفردها على الساحة الإفريقية لما قام تيلرسون بهذه الجولة، أي إنها ليست- كما عدها المراقبون- جولة اعتذارية أو «تطييب خاطر» بعد وصف ترامب للأفارقة بالحثالة، وبالأساس الاعتذار غير وارد ما دام ترامب يراهم على هذه الصورة. تيلرسون جاء ليأمر الأفارقة بالتوقف عن توسيع تعاونهم مع الصين من دون أن يقدم ما يعوضهم عن هذا  الدور وما قاد إليه من انتعاش في التنمية والاستثمارات والوظائف وفرص العمل والوضع المعيشي.. الخ. وباعتبار أن الولايات المتحدة تنظر إلى إفريقيا كمستعمرة لها فإن على المُسْتَعْمَرين أن ينفذوا أوامر المستعمر الأمريكي .
تيلرسون قال: إن الاستثمارات الصينية في الدول الإفريقية تمس بسيادتها، مطالباً إياها باليقظة والحذر لدى عقدها اتفاقات مالية مع الصين!! واعتبر أن الاستثمارات الصينية في افريقيا غير مثمرة ولا تنعكس إيجاباً على النمو وفرص العمل بل هي تزيد المديونية وبما يرهن إرادة الدول وقرارها السياسي والاقتصادي للصين. هذا قبل أن يستدرك: نحن نرحب بمشاركة الصينيين لكننا نأمل أن يحترموا سيادة الدول.
.. وليته لم يستدرك، فليس هناك أكثر من الولايات المتحدة انتهاكاً لسيادة الدول واعتداء عليها حتى بات مثل ذلك الاستدراك مصدر سخرية وتهكم يُفترض بالدبلوماسيين الأمريكيين أن يتوقفوا عنه احتراماً لأنفسهم ومنعاً من أن يكونوا في موضع (من يشتري لنفسه المسبات مُشترى) كما نقول في عاميتنا.
هل أمريكا تحترم إفريقيا وشعوبها.. إذاً لماذا وصفهم ترامب بالحثالة. هل يتوقع تيلرسون أن شعوباً تم وصفها بالحثالة يمكن لها أن تثق وتحترم وتستمر في التعاون مع من وصفها كذلك. الشعوب بعكس الأنظمة ذاكرتها حادة. تأبى كرامتها النسيان، وجرح مشاعرها لا يندمل بسهولة.
الرد على أقوال تيلرسون جاءت من الأفارقة أنفسهم قولاً وفعلاً بتأكيد استمرار التعاون مع الصين وغيرها، وتوقيع عقود جديدة معها ومع كل دولة تريد التعاون معهم على قاعدة الاحترام والمصالح المشتركة والمنفعة المتبادلة، هذا بالضبط ما أخذه الأفارقة عن الصين ويريدون تكريسه مع الجميع.
يقول رئيس كينيا أوهورو كينياتا رداً على تيلرسون: إن الشراكة الصينية- الإفريقية تصب في مصلحة الجانبين، وفكرة أن الصين تهتم فقط بالموارد الطبيعية لإفريقيا هي فكرة مغلوطة، الصين تعمل معنا لإخراج بلداننا من الفقر الذي سببه لنا المستعمر الغربي، الصين ليست مستعمرة بل شريكة لنا.
وتقول دراسة استقصائية أجرتها مؤسسة «أفروباروميتر» الإفريقية المستقلة في 36 بلداً إفريقياً: إن 63% من الأفارقة يجدون الدور الصيني دوراً إيجابياً جداً أو دوراً إيجابياً نوعاً ما، ويؤكدون أن الصين في مقدمة الدول التي قدمت أفضل نموذج للتنمية الإفريقية، في المقابل توضح الدراسة أن رؤية الأفارقة لـ «الشركاء»اختلفت حالياً عما كانت عليه قبل سنوات، فهم يريدون تنمية واستثمارات لا تكبّلهم.
أن تخلق اقتصاداً.. وأن تخلق إرهاباً
الصين لطالما قرأت المشهد الإفريقي جيداً خصوصاً في السنوات الأخيرة، ولطالما درست جيداً متطلبات السوق والاقتصاد الإفريقي وفق القواعد التي تفرضها الحالة المعيشية المتدنية وضعف القوة الشرائية، لذلك هي عملت في الأساس على إقامة مشروعات تخلق الوظائف وتوسع فرص العمل وتطورها بهدف تقوية القوة الشرائية ليكون هناك نوع من العدالة في التعاون الاقتصادي فلا يكون هناك طرف مسيطر. الجميع يعرف أن أبسط قواعد التبادل التجاري هو أن تبحث: إما عن أسواق تمتلك إمكانات للاستثمار فيها وتكون بيئتها مضمونة وآمنة.. وإما عن أسواق لتصريف المنتجات والبضائع والأهم من ذلك أن تتمتع هذه الأسواق بقدرة شرائية عالية أو متوسطة، وإذا لم تكن كذلك فهي لن تكون جاذبة لأي أحد. السوق الإفريقية واسعة شاسعة لناحية التعداد السكاني (أي سوق استهلاكية ممتازة) ولناحية المساحة الجغرافية، ولناحية الإمكانات الهائلة التي تمتلكها والتي يمكن الاستثمار فيها بقوة شرط توفر البيئة الآمنة. ولتكون هذه السوق استهلاكية لا بد من تحسين القوة الشرائية، ولكي يكون المستثمر مقبولاً في هذه السوق خصوصاً في ظل وجود مستثمر آخر بقوة مسيطرة ضاربة فإنه لا بد من أن يقدم – هذا المستثمر- البديل الذي يُقنع تلك السوق بالتمرد والاتجاه نحوه.
هذا ما فعلته الصين، قدمت وجهاً آخر مختلفاً عن المستثمر الأمريكي ، وبدأت السوق الإفريقية تلمس الفرق الكبير ليس فقط في الاستثمارات بل في طريقة السلوك والتعامل والتعاون على أساس الاحترام، احترام الفرد الإفريقي كإنسان واحترام الدول الإفريقية كسياسة واقتصاد وسيادة.
هذا ما لم تفهمه الولايات المتحدة ولا تريد أن تفهمه، هي تريد السيطرة بقوة العسكرة وبقوة الضغوط والتهديدات العسكرية.. وحتى بقوة الديون عبر قروض التمويل التي يقدمها كل من البنك الدولي وصندوق النقد الدولي وهما ذراعا أمريكا الضاربتان حول العالم لاستعمار الدول اقتصادياً، الصديقة منها والعدوة على حد سواء.
باختصار، الولايات المتحدة لا تريد أن تفيد الأفارقة ولا تريد لغيرها أن يفيدهم، تريدهم أن يبقوا على ما هم عليه، يغرقون فقراً وجهلاً وحروباً وإرهاباً، فلا يستطيعون مواجهتها وتبقى هي تنهب ثرواتهم وأرزاقهم وتستخدم أراضيهم للاعتداء عليهم وعلى غيرهم.
ومع ذلك يأتي تيلرسون ليتبجح ويُحاضر في مسألة أن إفريقيا تغرق بالبطالة واليأس والفقر وأن شبابها تنتابهم الأفكار المتطرفة التي تجعلهم جيلاً بعد جيل فريسة للمنظمات الإرهابية – كعناصر فيها أو كضحايا لها- بما يؤثر في استقرار دول وحكومات القارة.
ولا يتطرق تيلرسون إلى أن بلاده الموجودة منذ عقود طويلة في القارة الإفريقية لم تقدم شيئاً لمعالجة هذه القضايا الخطيرة بل هي عمقتها وعززتها- مالاً وسلاحاً- لتبقى عيون الأفارقة مُعمّاة عن الأهداف الحقيقية للوجود الأمريكي على أراضيهم.
الدول الإفريقية اليوم تمتلك من الإرادة والقوة ومن الشركاء الحقيقيين ما يُمكّنها من الاستغناء عن الولايات المتحدة.. باستثناء الدول المنخرطة مع أمريكا في مؤامراتها وأهدافها العدوانية.
النكتة – الكذبة
النكتة- الكذبة التي أطلقها تيلرسون هي عندما تحدث عن «الاكتفاء الذاتي» الذي تسعى الولايات المتحدة لتشجيعه وتعميمه بعكس الاستثمارات الصينية التي تشجع التبعية والجمود كما قال.
النكتة التي سردها كحقيقة على مسامع الأفارقة والعالم كانت فاقعة في كذبها ونفاقها وعلى مبدأ إن لم تستح فقل ما تشاء.. الولايات المتحدة لم تتدخل في بلد سياسياً أو اقتصادياً أو تدخله عسكرياً إلا ودمرته دماراً شاملاً فلا تقوم له قائمة إلا بمعجزة.. لماذا؟ لأن الولايات المتحدة حتى بعد أن تحقق هدف الدمار لا تترك البلد المدمر على حاله بل تبقى جاثمة فوقه لتضمن أنه لن ينهض مجدداً ولتقضي على كل إمكانية له للنهوض.. ولتمنع عنه حتى تلك المعجزة في حال لاحت بوادر  لها. هذا ما تفعله الولايات المتحدة بينما تيلرسون يأتي ليتحدث عن الاكتفاء الذاتي ومساعدة الدول في الوصول إليه بفضل الولايات المتحدة!!
لنورد هنا مثالاً واحداً فقط:  تيلرسون في بداية جولته أعلن عن 530 مليون دولار كمساعدة لإفريقيا لمواجهة الجوع وغياب الأمن الغذائي.. قبل ذلك بمدة قصيرة جداً كانت الصين قد أعلنت عن تخصيص 124 مليار دولار لإفريقيا في إطار تعزيز روابطها وعلاقاتها الاقتصادية مع آسيا وأوروبا.. طبعاً الفرق بين المبلغين كبير جداً، الأول مُعيب مُخجل، والثاني تعبير عملي حقيقي عمن يريد الخير لإفريقيا ومن يريد مساعدتها على النهوض والخروج من أتون الفقر والبطالة واليأس.
إفريقيا المستقبل
العبارة ليست جديدة مادامت وصفت إفريقيا بأنها هي مستقبل البشرية لناحية الأمن الغذائي (سلة الغذاء العالمية) والأمن المائي والمناخي، ولناحية الثروات الباطنية الهائلة التي تعوم فوقها، كل هذا تعرفه الولايات المتحدة لذلك ترفض أن تُرخي قبضتها عنها، هي تعلم أن الجميع في حقبة زمنية لاحقة سيعودون إلى إفريقيا أو سيتوجهون إليها لتكون الملتقى.. وحيث تحول الولايات المتحدة بقية العالم إلى مكان غير صالح للعيش بفعل الحروب الإرهابية التي تنشرها والنهب واللصوصية اللذين تستنزف بهما الدول والشعوب.
لكن لمن ستكون السيطرة، بمعنى هل خريطة الوجود الدولي الحالية ستبقى كما هي، أم إنه سيكون للأفارقة قول آخر؟
من بين كل القوى التي توجد حالياً أو تفكر بالوجود لاحقاً في القارة الإفريقية، تبقى الصين الكابوس الأكبر للولايات المتحدة والذي لا قِبَل لها به، وهي عجزت حتى اليوم عن إزاحته من أي مكان يوجد فيه أو يقرر التوجه إليه، علماً أن الولايات المتحدة يجب أن تخشى القوى الأخرى أيضاً مثل روسيا وحتى الحلفاء فرنسا وبريطانيا وهما على خلاف كبير معها على الساحة الإفريقية، ولا ننسى تركيا التي دخلت حديثاً على الخط عبر السودان وقبله جيبوتي والصومال وهو دخول عسكري وليس اقتصادياً فقط، وتركيا اليوم على خلاف شديد مع الولايات المتحدة في عدة قضايا متعلقة بالشأن الداخلي التركي وعلى المستوى الإقليمي.. وسورية في مقدمة هذه القضايا. وهناك أيضاً السعودية (وقبلها الإمارات). السعودية بصدد بناء قاعدة عسكرية لها في جيبوتي ومؤخراً قام وفد عسكري سعودي بزيارة جيبوتي لمعاينة موقع القاعدة. الولايات المتحدة لا تخشى هذه القاعدة، فالسعودية تابع أعمى لها ووجودها في جيبوتي ذات الموقع الأهم والأخطر استراتيجياً على مدخل البحر الأحمر (والمطلة على باب المندب) سيصب في خدمة الولايات المتحدة تماماً، هذا إن لم تكن تلك القاعدة بأمر منها، استعداداً للمرحلة المقبلة – ليس فقط في إطار المساعي الأمريكية لاحتواء الصين التي بدأت بإنشاء قواعد عسكرية لها بدءاً من جيبوتي (افتتحت الصين قاعدتها العسكرية في جيبوتي في آب 2017 وهي الأولى لها خارج أراضيها) وليس فقط لاحتواء روسيا أو تركيا أو غيرها.. بل لتنفيذ مخططات وضعتها الولايات المتحدة للقارة الإفريقية ويكاد أوان تنفيذها يحين، خصوصاً تلك المخططات التي تخدم «إسرائيل» وتهدد عدة دول عربية على رأسها مصر.
ورغم أن الإمارات هي بدورها من تابعي الولايات المتحدة إلا أنه حتى الآن ليس مفهوماً لماذا جيبوتي والصومال قررتا فجأة طردها مع استثماراتها المتمثلة بشركة «موانئ دبي» العالمية العملاقة. قرار كل من جبيوتي والصومال لا يزال غير معروف الدوافع والخلفيات.
بعض التحليلات تقول إنه كان بطلب سعودي لأن بني سعود لا يعجبهم أن يكون للإمارات- حليفتهم في حربهم الإرهابية على اليمن- هذا الثقل على الضفة المقابلة لليمن من البحر الأحمر وبشكل يجعلها لاحقاً صاحبة تأثير في أحد أهم البحار والمضائق العالمية (البحر الأحمر هو أحد مفاتيح العالم الخمسة) بالنسبة لحركة التجارة والنقل البحري ناهيك بحالة الوصل الجغرافي الاستراتيجي التي ستتحقق للإمارات لتكتمل حلقة النفوذ المالي مع النفوذ الجغرافي التي تخطط لها الإمارات وهذا ما لم يعجب بني سعود . الإمارات حليفتهم، هذا صحيح وهي غنية وقوية بغناها، لكنهم في المقابل لا يردون أن تكون خارج السيطرة، يريدون أن يبقى خيطها مربوطاً بيدهم أو بيد واشنطن لا فرق المهم ألا تكتمل تلك الحلقة.. حلقة المال والجغرافيا.
لا نعتقد أن الدور السعودي سيتوقف فقط عند جيبوتي بل سيتوسع أكثر خدمة للمصالح الأمريكية- الإسرائيلية، وهذا ما يجب أن تدركه الدول الإفريقية، إنه دور يندرج تحت سقف الدور الأمريكي  المدمر في القارة الافريقية بدولها العربية وغير العربية، وربما يكون هذا الدور السعودي أكثر خطراً وتدميراً لأنه دور التفافي غير مباشر يعتمد في حوامله على ماتمثله السعودية من مكانة دينية إسلامية حيث إن أغلبية الدول الإفريقية دول إسلامية، وللأفارقة في «الربيع العربي» درس وعبرة.

طباعة