أدرك أمير الشعراء أحمد شوقي بحسّه المرهف ونظرته النقدية الثاقبة وثقافته العالية قيمة ودور المعلم في بناء المجتمع وتحصينه تربوياً ووطنياً وقومياً وإنسانياً وتعليمياً فأفرغ شيئاً من داخله قائلاً: قم للمعلم وفه التبجيلا.. كاد المعلم أن يكون رسولا.
نعم: وعينا على تلك الأجيال من المعلمين والمدرسين الذين أناروا أنفسهم بتثقيفها وتهذيبها وصقلها ومتابعتها وبثوا ذلك النور في المجتمع الذي عاشوه في تلامذتهم وطلابهم أولاً وفي مجتمعهم ثانياً فكانوا القدوة والنور والمثل المقتدى.
لا أنسى معلمي ومدير مدرستي في المرحلة الابتدائية الذي دأب ألا يخطئ طلابه في القراءة بعد أن علمنا في الصفوف الرابع والخامس والسادس الإعراب فكانت القراءة الصحيحة الناتجة عن هضم القواعد العربية وتوظيفها في القراءة والكتابة.
لا أنسى ذلك المعلم والمربي الذي خصص وقتاً مسائياً للمطالعة في المدرسة بالرغم من أن الدوام كان قبل وبعد الظهر.
لا أنسى كيف كان يتابع كل طلاب المدرسة الذين كانوا من قرى متعددة سلوكاً وأدباً وتربية وتعليماً فكان القدوة وربّى الأجيال التي كانت القدوة في عملها وأمانتها ووطنيتها وتربيتها.
لا أنسى مدرس اللغة العربية ونحن في المرحلة الثانوية الذي طلب من كل طالب تلخيص كتاب ومناقشته مع بقية الطلاب في الصف ولا أنسى سؤاله هل تؤمنون بأن الاستعمار قضاء وقدر وبعد استماعه لإجابات الخمسة والأربعين طالباً أردف لم يؤمن الشيخ عبد الرحمن الكواكبي بأن الاستعمار قضاء وقدر ذلك جعل منه أحد رواد حركة التحرر العربية والعالمية.
ولا أنسى تعليقه على الكتاب المقرر «المعذبون في الأرض» للطبيب المارتينيكي فرانس فانون الذي التحق بالثورة الجزائرية وقاتل في صفوفها مقارعاً الاستعمار الفرنسي وتوفي في الجزائر معلناً مقولته الشهيرة: الاستعمار واحد في العالم وحركة التحرر واحدة في العالم فلنقارع الاستعمار أينما وحينما كان والظروف الآن غير مواتية لمقاومة الاستعمار الفرنسي في المارتينيك فلننضم إلى الثورة الجزائرية ونجاهد في صفوفها وكان أحد أطباء الثورة والشعب الجزائريين.
وألف كتابه المشهور «المعذبون في الأرض» وكان قدّم لهذا الكتاب الفيلسوف الفرنسي «جان بول سارتر» فما كان من مدرسنا إلا أن قال: نحترم فكر سارتر التنويري وفلسفته إلا أننا لن نقرأ مقدمته للكتاب لكونه ناصر العدوان الصهيوني على الدول العربية وكان موقفه مجحفاً بحق قضية العرب القومية الأولى القضية الفلسطينية.
فهل يقتدي معلمو ومدرسو وطني بتلك النخبة الوطنية القومية الإنسانية التي علمت وربت وهذبت الأجيال وبنت مداميك مسلحة في جدران الوطن والمجتمع وخاصة في التصدي للمفرزات السلبية التي خلفتها الحرب الكونية الظالمة على وطننا الحبيب سورية.. وكل عام ومعلمو ومدرسو وطني والعالم بألف خير.

::طباعة::