لم تكن مصادقة شيخ الحرامية مصدر قلق للقصاص الشعبي فهو بحاجة دائمة إلى أفكار حقيقية، قريبة من يوميات الناس حتى إنه قال لصحفي سأله يوماً «متى سوف تفلس، متى ستتوقف عن الكتابة؟»: عندما لا ترى أناساً، اعرف أنك لن تلاقي قصصاً، لربما كان القرب ممن يدعونهم «عامة الشعب» سبباً ساهم في شهرة حكمت محسن، كان هذا واضحاً حين استرجع الباحث الموسيقي أحمد بوبس، مقاطع إذاعية له خلال ندوة أقامها في المركز الثقافي في أبو رمانة، قدم فيها أيضاً مؤلفه الصادر عن الهيئة العامة السورية للكتاب «حكمت محسن..رائد الدراما الإذاعية». هذا الشبه بالزمن المعيش، أعطى محسن المعروف بـ «أبو رشدي»، دافعاً ليكتب توليفات أحبها الناس، اتفقوا واختلفوا عليها، لكنهم انتظروها، وهي ميزة تفقدها اليوم مواد إعلامية كثيرة.
ليست مسيرة هذا القصاص سهلة أبداً، إن لم نقل إن فيها من المصاعب ما يجعلها مختلفة، وهو ما ردده بوبس أكثر من مرة، فحين بدأ محسن مشواره، كان الناس ينظرون بتوجس إلى مهنة المشخصاتي، لذا كان عليه أن يتحمل رفض من حوله إضافة إلى فقر لازمه طويلاً ثم كانت محاربة زملائه له صفعة مؤلمة إلا أن لقاءه مع الفنان وصفي المالح 1930 كان مفصلياً في حياته، ليقدم بعد سنوات دوري «الحاكم» و«البربري مرجان» في مسرحية «استقالة إبليس» ثم ألّف مسرحية «صابر أفندي»، وخلال تلك الفترة عمل مع فرقة حسن حمدان، فكان يقدم بين فصول مسرحيات الفرقة فواصل فكاهية وأزجالاً غير ملحنة ومونولوجات ناقدة من تأليفه وتلحينه، وبعدها بزمن بدأ أولى تجاربه في كتابة التمثيليات القصيرة، وخلال ذلك كله كان يعمل منجداً في سوق الأورام في دمشق. لاحقاً كان محسن من أوائل الأصوات التي أطلت عبر إذاعة دمشق، فوضع تقاليد للتمثيلية الإذاعية لا تزال قائمة حتى اليوم. يوضح بوبس أن الشخصيات الدرامية التي كانت تشارك محسن تمثيلياته وبرامجه كانت موجودة قبله لكنه استطاع توظيفها بشكل رائع حتى أخذت شعبيتها وشهرتها بالشكل الذي كان، منها شخصية «أم كامل» قدمها أولاً الفنان سامي الكسم ثم انتقلت إلى الفنان أنور البابا، أيضاً شخصية «أبو فهمي» التي أداها الفنان حسني تللو قبل أن تنتقل إلى الفنان فهد كعيكاتي، وينطبق الكلام نفسه على شخصية «أبو صياح» قدمها الفنان أنور المرابط في مسرحية «القادم من أمريكا» قبل الفنان رفيق سبيعي.
مما كتبه محسن للإذاعة بين تمثيلية وبرنامج ومسلسل «معليش، الخطابة، السندباد، مرايا الشام، صور شعبية، تمثيليات اجتماعية، العصابة، مسرح الإذاعة». وكانت له نتاجات كثيرة للتلفزيون منها «مذكرات حرامي» الذي سبق أن قدمه في الإذاعة قبل تم تحويله إلى آخر تلفزيوني عام 1968 ، أخرجه علاء الدين كوكش، وشارك في أداء شخصياته هاني الروماني وعمر حجو وسلوى سعيد وغيرهم، حقق العمل نجاحاً كبيراً، بعد أن جالس محسن «شيخ الحرامية» لساعات وسمع منه حكايات ضمنها مسلسله.
كتب محسن عدة مسرحيات أهمها كما يرى الباحث «صابر أفندي» و«يوم من أيام الثورة السورية»، تسلط الأولى الضوء على العلاقات الاجتماعية القائمة على النفاق والتزلف في حين إن الثانية أقرب للأوبريت لكونها تضمنت التمثيل والغناء والرقص الشعبي، من دون أن ننسى عدداً من أزجاله التي تحولت إلى أغنيات، منها «على دلعونا» و«زين يابا زين» اللتان لحنهما عدنان قريش وأدتهما كروان.
ومن المفارقة أن نهاية علاقته بإذاعة دمشق لم تكن جيدة، ففي أحد الأيام أصدرت بحقه عقوبة خصم لأنه تأخر خمس دقائق عن الدوام، يومها خرج محسن من مبنى الإذاعة ولم يعد إليه ثانية، لينتقل إلى وزارة الثقافة، ويبدو أن ما حصل أثّر فيه نفسياً فقلت كتاباته ونشاطاته عدا مشاركته بدور صغير في فيلم «نور وظلام» وهو أول فيلم سوري ناطق أخرجه نزيه الشهبندر، قبل أن يرحل بالكفاف نفسه الذي بدأ منه من دون أن يملك بيتاً رغم ما حازه من شهرة وموهبة في إضحاك الناس حتى على أوجاعهم.

::طباعة::