ضمن محاضرة أدبية للباحث أنس تللو استعرض وصف الشعراء للخمرة كما عنونوها هم، وقال إنه لا يمكن مناقشتها أو الاستماع إليها إلا من خلال هذا المنحى.. تللو كان وفياً لأستاذه الدكتور أسعد علي في أن يأخذ عنه ما يلائم المقام من حيث ما عرف عن هذا العلّامة من القدرة على استلماح إشارات الصوفية وتأويل عباراتهم التي تستعصي على إدراك الكثير من أهل الفصاحة والعلم، حيث يورد أبيات الشاعر حافظ الشيرازي التي يقول فيها:
بلدٌ مَلأى بالغَمَزات
وأنا ما عندي طاقَاتْ
وحِسَانٌ مِن سِتِّ جهاتْ
لو عندي، أحوي كلَّ الغاداتْ
ويستعين بما قاله الدكتور أسعد في كتابه السبر الأدبي: «نحن نعتقد أن هؤلاء يعاملون بلطف أكثر، وينبغي أن تُشفَّفَ قضاياهم، ويُنظر إليها من وجهة نظرهم؛ لأن لسان حالهم يقول المعنى بأسلوبهم ومصطلحهم.. وهكذا ينكشف لنا في نص حافظ: لآلئ أغلى من حسان البنات، وإن كنَّ غاليات، تصبح البنات جهات، ويصبح الاحتواء توحيدَ اتجاه.. فالبلد كما استخدمها، تعني: العالم.. الدنيا.. وفي السياق العام للنص، يفهم: أن الدنيا مملوءة بالغمزات، أي بالإشارات والدعوات، وأن التنـزلات الحسنى، تنـزلات الأفكار: تدعو من الجهات الست؛ من يمين ويسار؛ ومن خلف وأمام؛ ومن فوق وتحت.. حافظ كغيره من العارفين، يريد أن يقول: إن آياتِ الله بيِّنة كيفما التفت؛ وأنا أحب التعرف إلى نعمته بكل المظاهر؛ وأرغب بالاعتراف له بكل اللغات،.. ثم بعد أن ينتهي الباحث تللو من كلام الأستاذ الدكتور أسعد علي، يعلق بالقول: إذاً، هذا هو الاتجاه الذي يناسب مذهب حياة حافظ شيرازي ومنهجه في التفكير، وهو يماثل- إلى حدٍّ ما -مذهب الشاعر الكبير جورج جرداق.. ويؤكد تللو أن شيرازي وجلال الدين الرومي ومحمد إقبال, وغيرهم انتهجوا طريق الصوفية، والتصوف الإسلامي مستحضراً بعض ما قاله الدكتور عبد الكريم اليافي في كتابه «بدائع الحكمة» بهذا الخصوص: قد بدأ أول الأمر تزوداً من العبادة، وتزيداً من ذكر الله وخوفه، وإعراضاً عن الدنيا ونزوعاً إلى الزهد والتقشف، وكأنه كان في طبيعته ِمعدِّلاً لحركة أخرى على نقيضه؛ وهي نزوع بعض المسلمين؛ وقد تفتحت جوانب الأرض لهم، إلى الرفاهية والتملي بمطايب العيش.. ثم تجاوز التصوفُ الزهدَ وأصبح حباً ومعرفةً ربانيَّين يملكان على القلب أرجاءه، ويصرفانه عما سوى الله.
إن هؤلاء يذكرون في عباراتهم الخمرة بأسمائها وأوصافها ويريدون بها ما أراد الله تعالى على ألبابهم من المعرفة أو من الشوق أو المحبة، والحبيب في عباراتهم عبارة عن حضرة الرسول عليه الصلاة والسلام، وقد يريدون به ذات الخالق القديم جل وعلا لأنه تعالى أحبَّ أن يُعرف فخلق، فالخلق منه ناشئ عن المحبة، فهو الحبيب والمحبوب والطالب والمطلوب، والمدامة المعرفة الإلهية والشوق إلى الله..
كما أشار تللو إلى أن قصيدة عمر بن الفارض التي هي أجمل قصيدة في الوصف العربي، بدأها بنفي قاطع على أن يكون قد عنى بالخمرةِ الخمرةَ الحقيقية (شربنا على ذكر الحبيب مدامة.. سكرنا بها من قبل أن يُخلق الكرم) موضحاً بكلامٍ للدكتور اليافي بأن المدامة المذكورة إنما هي المعرفة الإلهية والشوق إلى الله تعالى، والسكر المقصود هو الناشئ عن الشعور بالقرب من الله.
إذاً، عمر بن الفارض يحسُّ روحياً بأنه قد أُشهد على نفسه بكلمة الخالق عزَّ وجل (ألست بربكم) وهو في عالم ما قبل الخلق… وفي قراءته لبعض أبيات القصيدة حاول الباحث تللو أن يوائم بين المعنى الظاهر للكلام والمعاني السامية التي قصدها ابن الفارض، مستعيناً بشرح الشيخ عبد الغني النابلسي لديوان عمر بن الفارض.

::طباعة::