يعشن الألم الذي يعانيه من اختارت الحرب أن تصيبه في جسده.. ترق قلوبهن مرة وتدق عطاءً ألف مرة.. تذرف عيونهن دمعاً لكن يندى جبينهن أكثر عرقاً وتعباً.. تمسحن بأيديهن الناعمة جرحاً ملموساً وآخر غير ملموس.. لا يختلفن عن الأطباء الذكور في ميدان العمل، إلا بارتفاع نسبة العاطفة لديهن أكثر.. تلك العواطف التي تعد المفتاح الرئيس للحصول على الطاقة التي تدفعهن للاستمرار وتقديم المستحيل لإنقاذ الحالات المصابة.
«تشرين» تواصلت مع عدد من الطبيبات اللواتي عملن في المشافي خلال فترة الحرب على سورية، واطلعت على عدد من التجارب التي تعكس صورة العطاء والقوة في ميدان العمل الطبي، الصورة التي تتمتع بها أغلب الطبيبات السوريات.
التعاطف دافع قوي
الطبيبة لونا بري «اختصاصية عينية» تعمل في أحد المراكز الطبية الحكومية المتخصصة بأمراض العيون وجراحتها منذ 6 سنوات، المركز الذي يستقبل من ضمن مراجعيه جنود الجيش العربي السوري الذين أصيبوا أثناء المعارك وتضررت عيونهم، لمتابعة وضع الإصابة أو القيام بجراحة لازمة، أو تصحيح البصر بالليزر للاستغناء عن ارتداء النظارات الطبية، وتشير د. لونا إلى أنها تشعر بالخجل أمام المعنويات المرتفعة لدى معظم هؤلاء الجنود، إذ إنها عندما تحاول التخفيف معنوياً عن إصابة أحدهم وشكره لأنه قدم عيونه ونظره فداءً للوطن، تجده أكثر حماساً منها ولا يحتاج إلا لإيجاد علاج سريع يمكنّه من العودة إلى جبهات القتال.
وعن طبيعة عملها كأنثى تتعامل مع حالات موجعة أفرزتها الحرب قالت د. بري: حالات كثيرة تمر يومياً على المركز من إصابات عينية ناتجة عن الحرب سواء للعسكريين أو المدنيين، تدفعنا جميعاً للتعاطف معها، لكنني لم أتمكن حتى اليوم بعد 6 سنوات من التأقلم مع هذا الوضع، لأنه في كل يوم حالة جديدة وقصة مؤلمة، إلا أن هذا التعاطف يدفعني للعمل أكثر وبذل كل ما في وسعي لإيجاد الحلول اللازمة وإجراء العمليات العينية بالسرعة القصوى، فلا يمكن أن أنكر أن الجانب العاطفي للطبيبات يشكل دافعاً قوياً لتقديم أقصى ما يمكن، وعمل المستحيل لإنقاذ الحالة والوصول إلى أفضل النتائج.
وأضافت: الضغط في العمل والحالات الجديدة والخطرة التي تصل إلى المركز تدفع الكادر بشكل كامل إلى تبادل الخبرات والتعاون وتقديم الاستشارات والتروي وعقد حلقات اجتماع سريعة للبحث في كل الحالة واتخاذ القرار الأفضل وفي أسرع وقت.
استنفار وجاهزية دائمة
الطبيبة رندة مسرابي «اختصاصية تخدير» تحدثت عن تجربتها أثناء عملها في مستشفى المواساة مدة 3 سنوات، قبل أن تنتقل مؤخراً إلى مستشفى ابن النفيس، حيث كانت تصل أيام مناوباتها كغيرها من زميلاتها في المستشفى، إلى ما فوق 10 مرات في الشهر في بعض الظروف، إضافة إلى دوام 30 ساعة متواصلة، ويمكن القول إنها كانت طوال تلك السنوات في حالة استنفار وعلى أتم الجاهزية لتكون ضمن غرف العمليات أو الإنعاش في أي وقت خلال الـ24 ساعة، مشيرةً إلى أن نقص الكوادر الطبية في كل سورية أدى إلى ضغط في العمل في أي مستشفى، إلا أن هذا شجع جميع الأطباء على العطاء بشكل أكبر، فعندما يكون في مستشفى المواساة وفي الوقت ذاته 5-6 غرف عمليات، وضمن كادر الفريق المناوب 4 من أطباء التخدير فقط، سيبذل كل طبيب أقصى جهد لتغطية الحالات جميعها، مؤكدة أن الكادر الطبي في مجال التخدير أغلبه نسائي، وإمكانية الاعتماد على الأطباء من الذكور في الحالات الحرجة غير ممكنة، فيجب أن تكون الطبيبة مثلها مثل الطبيب في كل تفصيل، رغم أن الزملاء الأطباء حاولوا مراعاة الطبيبات بموضوع المناوبات في الفترات الهادئة نسبياً.
وعن التوتر النفسي الذي تعيشه خلال الحالات الإسعافية، خاصة المرتبطة بالحرب، سواء إصابات الطلق الناري، الأذيات الانفجارية أو إصابات الشظايا وغيرها، قالت د. رندة: التوتر النفسي لا يخف أبداً مع مرور الزمن، بل يرتفع كل مرة في حالة وفاة المصاب بين أيدينا، وخاصةً إذا كان من الأطفال.
هذه الأزمة وظروف الحرب جعلتني أتعامل مع المريض بتعاطف أكبر، وأراعي ظروف مرافقيهم وأقدر معاناتهم، كما تعلمت الصبر، وتغيرت شخصيتي بشكل كبير نحو الافضل، إذ أصبحت أقوى على الصعيد الاجتماعي والمهني معاً، واكتسبت خبرة كبيرة كنت بحاجة إلى أضعاف هذه السنوات لاكتسابها.

::طباعة::