الميدان، الخوذة، الدرع، الهجمات الإرهابية، قذائف الهاون وغيرها من مفردات الحرب، باتت تشكل تفاصيل في يوميات من امتلكن الروح القتالية واخترن التواجد في أرض المعركة خلال سنوات الحرب كمراسلات حربيات في نطاق ما يسمى الإعلام الحربي، الذي كان مجالاً جديداً تخوضه المرأة السورية، إلا أنها وكما العادة أثبتت قوة وجدارة وسجلت حضوراً على شاشات العالم، ناقلة ما يجري على أرض الواقع لحظة بلحظة، بمهنية وحرفية عاليتين.
إن قضية التغطية الإعلامية لم تعد عند الإعلاميات السوريات عملاً فحسب، بل كما تقول الإعلامية في قناة «روسيا اليوم» وفاء شبروني خلال وقفة لها مع «تشرين»: هي موقف والتزام لا أستطيع التخلي عنه خاصة أن هذا بلدي وهؤلاء أهلي. أما ديمة ناصيف مديرة مكتب قناة «الميادين» فعدّتها متعة استثنائية لا يمكن وصفها، لأن فيها تماساً بين الحياة والموت يرفع الأدرينالين إلى أعلى حد، فيغيب معه الإحساس بالخطر.
أن تكون مراسلاً حربياً لا يشبه أي عمل آخر وتضيف شبروني: بعد سنوات سبع من هذا العمل وفي أكثر الأماكن خطراً في سورية أجد نفسي غير قادرة على فصل واقعي، بعد أي مهمة، عن كل ما شهدته ضمنها من أحداث على اختلاف أنواعها المحزن منها والمفرح، فخبر فقدان شخص جندياً كان أو مدنياً رافقك خلال مهمتك يكون وقعه كفقدانك أحد المقربين لك وكذلك من الناحية الإنسانية تصبح حياتك كمراسل متأثرة بحالات المدنيين الصعبة التي تشهدها يومياً في مناطق الصراع. وعن تأثير المهنة المباشر في شخصية المرأة تقول: بالطبع التجربة هذه جعلت مني شخصا أقوى وأكثر قدرة على التحدي إلا أنه للصراحة لم يغير هذا العمل على الرغم من خطورته وصعوبته الكثير من شخصيتي كفتاة، فما زلت تلك التي تخاف عند سماع صوت الرصاص، ومع ذلك وبلا تفكير أندفع في كل مرة لأكون أول الواصلين إلى خطوط التماس على أي جبهة.
للتغطية الميدانية الحربية متعة استثنائية
بدورها الإعلامية ديمة ناصيف مديرة مكتب قناة «الميادين» في دمشق عرّفت الإعلام الحربي الميداني بأنه فعل تورط ومشاغبة، فعل غير مدروس ولا مقرر مسبقاً، مستذكرة أول جبهة تواجدت فيها وهي حي القدم جنوب دمشق، حيث تم إبلاغ الإعلام عن اكتشاف مقبرة جماعية، فذهب الجميع لتصويرها، فكان المشهد مذهلاً؛ آليات عسكرية ورصاص واشتباكات خطيرة من منزل لآخر، مؤكدة أنها لا تزال تشاغب وتتعامل بعناد كبير في سبيل الحصول على مادة مختلفة، فالصحافة كأي مهنة في الحياة، إما أن تكتفي منها بجرعة بسيطة، أو أن تسعى لجرعات عالية وهي من هذا النوع، حتى الأسئلة الكثيرة التي أتعرض لها عن الخوف وخطورة المغامرة والوجود في أماكن كهذه، فأنا أيضاً أطرحها على نفسي، ولكن بعد العودة من الجبهات، ولا تكون حاضرة أبداً خلال التغطية.
وعن انعكاس ذلك العمل على شخصيتها قالت: في كل جبهة، يقوم ضباط الجيش العربي السوري دوماً بتنبيهنا لضرورة عدم الوجود في نقطة معينة بسبب خطورتها، لكنني أكون حريصة على الوجود في المكان الذي يقدم الشرح كاملاً، وكذلك في مخاطرة الوقوف مطولاً في الجبهات لساعات– فذلك يطمئن الناس بأن المكان الفلاني آمن أو تمت استعادته أو لم تتم السيطرة عليه من قبل الإرهابيين، وهو مالمسته من خلال كلام الناس عبر مواقع التواصل الاجتماعي أو ما يقولونه لي وجهاً لوجه، بأنهم يشعرون بالاطمئنان حينما يرونني أقوم بالتغطية في إحدى الجبهات، مشيرة إلى أن دراستها في المسرح ساعدتها جداً في الأداء الحركي أمام الكاميرا وصنع مشهدية باستخدام كامل الأدوات، اليد والحركة وحتى المشي، وكذلك لياقتها البدنية، فمن يوجد في مثل هذه الأماكن للصعود على المرتفعات والمغادرة بشكل سريع أحياناً، لا بد من أن يتمتع بلياقة عالية، خاصة مع لبس درع وخوذة وزنهما حوالى 20 كيلوغراماً.

::طباعة::