ظاهرة حيّرت الخبراء والمعنيين ودوّختهم لما سببته من مآسٍ وأضرار كان في الإمكان الحؤول دونها، المعالجون النفسيون لا يقولون عن مطلق النار العشوائي إنه مريض نفسياً ولكنهم يؤكدون أنه تعبير متخلف وخاطئ عن المشاعر.
من منا لا يعرف أن إطلاق النار العشوائي يشكل خطورة على حياة الآخرين وقد يتسبب في عطب إنسان ما أو ربما مقتله عدا عن الأضرار المادية الجسيمة، ومع ذلك يحدث هذا بكل بساطة، والكثيرون فجعوا بأقاربهم وأصدقائهم على مرأى من عيونهم.
توسعت الظاهرة كثيراً خلال سنوات الأزمة وأصبحت لا تخلو منها مناسبة فرحاً كانت أم ترحاً، وباتت أعداد المصابين والمتضررين منها بالمئات، ولم يقتصر إطلاق النار العشوائي على المناسبات الوطنية كفوز المنتخب السوري وعلى تشييع الشهداء أو على مناسبات الأفراح فقط، إذ وصل حد استهتار البعض إلى إطلاق النار عشوائياً لمجرد مرور حبيبته من أمامه أو لمجرد فشة خلقٍ لشابٍ آخر أصابه الضجر بعد منتصف الليل، غير آبهٍ بما يلحق ذلك من ضرر للآخرين أو بما يسببه من خوفٍ ورعب للجيران والمحيطين وخصوصاً الأطفال والنساء.
إضافة لكل ما سبق، فإن ظاهرة إطلاق النار العشوائي تُذهب النخوة من رؤوس الرجال،
إذ أصبحت حكاية الراعي والذئب حقيقة واقعة، المواطن أبو صافي يقول: كنا في السابق حين نسمع صوت إطلاق رصاص نقلق ونهرع لمعرفة ما يجري ولتقديم المساعدة والمؤازرة، في حين اليوم عندما نسمع صوت إطلاق الرصاص لا نتحرك لأننا صرنا نتوقع أنه إما بسبب الفرح أو هناك تشييع لأحد الشهداء.
المعالج النفسي أحمد زعويط أوضح أنها وسيلة من وسائل التعبير عن مشاعر الفرح أو الغضب الخاطئة والناجمة عن التشوه المعرفي في التعبير عن المشاعر، وأن التشوه المعرفي يعني الاعتقاد بأفكار معينة على أنها صحيحة وهي في الحقيقة خاطئة لأن الرصاصة التي تنطلق إلى أعلى بالتأكيد سوف تنزل إلى الأسفل وهناك أناس كثر قد ماتوا وآخرون تأذت مركباتهم وممتلكاتهم، وقال: هناك شيء اسمه غريزة القطيع وعدوى المشاعر وعندما يرى شاب مراهق أن شخصاً ما أطلق الرصاص وأثنى الآخرون على فعله بأنه شجاع ولم تتم محاسبته، سيعني أنه تعزيز إيجابي وبطريقة غير مباشرة لكي يقوم هو به أيضاً، هناك عدوى بالمشاعر ونحن للأسف حكّمنا مشاعرنا بدل عقولنا.
وأشار المعالج النفسي إلى أن إطلاق النار في الهواء وسيلة من وسائل التعبير عن مشاعر الفرح أو الغضب وأن مطلق النار كلما أطلق النار أكثر كان يشعر بالفرح أكثر، وإذا كان في مناسبة حزن عنى ذلك أنه يشعر بالغضب أكثر، وأضاف: سيزداد انفعاله بالغضب أكثر وسيزداد معه توتره أكثر وستنقص قدرته على التحكم بالبندقية ما يعرض الآخرين للخطر.
وأضاف: يحدث هذه الأيام إطلاق رصاص شديد أثناء تشييع الشهداء وأنا أقول لو كان إطلاق الرصاص سيعيد شهيدنا إلى الحياة ليست هناك مشكلة لكن هذا الرصاص بالتأكيد قد يتسبب في مقتل الآخرين.
ولفت زعويط إلى ضرورة وجود برامج توعوية عن طريق وسائل الاتصال تشير إلى خطورة هذه الظاهرة، منتقداً البرامج التلفزيونية التي تعرض على المشاهدين فقط الأغاني والبرامج الترفيهية ولا تقوم بعرض برامج تفيد المجتمع، مفضلاً معالجة هذه الظاهرة بالإقناع والتحبب.

::طباعة::