بعد سبع سنوات ونيف من الإرهاب والدمار اللذين لحقا بسورية مادياً واجتماعياً وأخلاقياً، لابد من القول، ومن باب الإنصاف التاريخي، إن ما أظهره المجتمع السوري من عوامل داخلية رافدة لدور رجال الجيش في مواجهة هذه الأزمة بكل أشكالها هو حال أقرب إلى الإعجاز إذا قورن باتساع جبهة الأعداء والإمكانات الهائلة التي رصدت لتخريب سورية ومجتمعها ودورها الحضاري والسياسي وصولاً إلى تدميرها.
وإذا ثبتنا حقيقة أن صمود المجتمع السوري هو الأساس في الصمود السوري العام يصبح بدهياً القول إن دور المرأة الذي ازداد تميزاً وحضوراً في هذه الأزمة كان حجر الرحى في كل هذه الملحمة.
دور المرأة السورية الذي نتحدث عنه هنا ليس ذلك الدور الرائد المعروف تاريخياً فحسب، بل هو الدور الذي تجاوزت عبره حدود الجغرافيا المقسمة والطائفية المؤججة والأنوثة المحاصرة سعياً منها إلى توحيد السوريين حول جغرافيتهم المقدسة ودينهم الوطني، ذلك انطلاقاً من كونها أم الوطن وأخته وابنته وحبيبته، دور المرأة السورية في الأزمة كان عابراً لتفاصيل الأزمة ولعوامل اشتعالها، جامعاً، متنوعاً، طليعياً في تضميد جراح الوطن ولملمة أحجاره التي تناثرت، ورص مداميكه التي اختلت، وكتم أوجاعه التي ثارت، وصفع العاقين من أبنائه، وهو لم يستند إلى طبيعة المرأة كأنثى، فهي قد تجاوزت عبره ذاتها وطبيعتها لتقدم على مهمات وطنية وإنسانية مبتكرة في المجالات كلها السياسية منها والإنسانية والاجتماعية والطبية وصولاً إلى ميادين الإعلام بكل أشكاله المدنية والحربية حتى عند الخطوط الأولى للمواجهة.

كدن يدفعن حياتهن ثمناً لمواقفهن الجريئة على حب الوطن وترابه الغالي والدفاع عنه بالكلمة الحق التي عرت المتآمرين عليه وفضحتهم، فكانت المحاولات الجبانة والبشعة في إسكاتهم عبر التخطيط لاغتيالهن كما حصل مع الدكتورة سهام علي دانون التي قارعت الموت بالحياة مؤكدة لتشرين أنها لن تنسى تاريخ 18/6/2013 حين مشت بسياراتها بضعة أمتار قبل انفجارها لتفقد قدميها لكن عزيمة الحياة لديها والإصرار جعلاها تقول:«راحت قدماي شو يعني المهم سورية تبقى»
بهذا الشموخ والعنفوان تتحدث ابنة سهول الكرمة والصخور البازلتية الممزوجة بالدم الطهور ومن تلال الكرم اليعروبي الأصيل الذي يفوح منه عبق الحنين لروح النضال وثبات العزيمة التي لا تلين، وبعد خمسة أيام من الإصابة طلبت بريد الجامعة لمتابعته، وكانت حينها نائب عميد كلية الآداب للشؤون العلمية.
رفضت كل الإغراءات المادية والمعنوية التي عرضت عليها خلال فترة علاجها في ألمانيا المكان الذي حصلت فيه على شهادة الدكتوراه والبلد الذي تتقن لغتة قائلة: الوطن غال.
تضيف الدكتورة دانون في جامعة دمشق- عضو قيادة فرع الجامعة لحزب البعث العربي الاشتراكي- مسؤولة مكتب التعليم العالي: عدت بهمة عالية وبنشاط كبير تجلى بزيارة إحدى قطعات الجيش العربي السوري في جوبر وكان اللقاء رائعاً مع جنودنا البواسل الذين استمددت منهم العزيمة والقوة والمعنويات العالية، مع إن المسافة بينهم وبين المسلحين لم تكن سوى 75 متراً فقط، وهذا ما زادني إصراراً وقدرة على تحمل المسؤولية والاستمرار في عملي، وما بدأته في توجيه جيل الشباب من خلال قيامي بتدريسهم مقرر جغرافية سورية في الفصلين الأول والثاني وكذلك في إحدى الجامعات الخاصة لمقرر الجغرافية السياسية آنذاك.
وتتابع قائلة: رغم محاولة الاغتيال والبتر كان لدي الإحساس الكبير أنهم لن يستطيعوا أن يخمدوا صوتي، لأن سلاحي الكلمة، لم أحمل السلاح، لكن كلمتي كانت قاسية عليهم، وبمنزلة الرصاص الذي وجه لصدورهم وحقدهم الكبير وفكرهم الظلامي التكفيري، ولذلك حاولوا اغتيالي.
وتشد من عزيمة جيل الشباب بالقول: يجب علينا أن نسلم الراية لأبنائنا وأحفادنا كما تسلمناها من أجدادنا وآبائنا لتبقى شامخة، لأن سورية شامخة، فلنعمل على ملء ساحات الجامعات ومدرجات وقاعات الكليات، لأننا بحاجة إلى رفع صوتنا في مواجهة إرهابهم وحقدهم من أجل حماية الوطن وعزته، وسلاحنا الكلمة، وقبلنا التحدي، وستبقى جامعاتنا مستمرة، وكذلك مدارسنا، وموظفونا سيبقون في دوائرهم وعملهم، ونستمر مهما حدث من أفعالهم الشيطانية.
وما دام الوطن يملك قائداً بحجم الوطن السيد الرئيس بشار الأسد فلاخوف علينا لأنه يزيدنا عزة وشموخاً وتحدياً في مواجهة جميع الصعاب التي تعترضنا.
مشاريع متعددة لمساعدة
ذوي الشهداء والجرحى
المتطوعة السيدة نجوى شبيب قالت: في بداية الحرب على سورية أقمنا حملة الياسمين للمهجرين من حمص وإدلب والسيدة زينب وقدمنا المساعدات العديدة لهم، ثم عملنا ضمن مشروع شفا وهو العلاج المجاني لأهالي الشهداء مدى الحياة من خلال منحهم بطاقة دائمة لذويهم من الأب والزوجة والأولاد في العيادات والمشافي والحرص على متابعتهم في هذا المجال، كما شاركت في برنامج «وصية شرف» التي من ضمنها المشروع الآنف الذكر و«شامخون» والتبرع بالدم للجرحى والمطبخ الميداني، وكذلك حملة «رد الوفا بالوفا»، وأي فعالية يمكنني القيام بها في المحافظات لم أدخر جهداً بالتعاون مع رفيقاتي في سبيل ذلك.
وآمل أن نوفق في رد الدين الذي في أعناقنا تجاه من قدموا أنفسهم فداء لتراب الوطني الغالي.
بدورها السيدة علياء شكوحي رأت أن تذكار الماضي يقوي المرء، ومن هذا المنطلق تحاملت على وجع الفراق لزوجها الشهيد العميد شرف في مواجهته للعصابات الإرهابية في إدلب ولوالدها المدني الذي استشهد في الريف الشمالي لمحافظة اللاذقية وكذلك للعديد من أقاربها، ومقتدية بهم في السير على الطريق الصحيح والتمسك بأرض الوطن وترابه الغالي.
تضيف: أتمنى من أسرة كل شهيد وزوجة كل شهيد أن تحسن تربية أطفالها على هذا الطريق الصحيح في حب الوطن.
ولنزرع المحبة والتسامح بين الناس، ولأنني زوجة شهيد ووالدي شهيد حرصت على متابعة مسيرتهما في الدفاع عن الوطن لأقدم جزءاً من الوفاء لبلدي، فعملت على التطوع ضمن فريق بصمة شباب سورية فأقمنا مطبخاً ميدانياً في ضاحية الأسد، وقدمنا المساعدة للجرحى بعد تقديم الأدوية والمساعدات المختلفة لهم والكلمة الحلوة التي تزيد من حماسة الجريح للاستمرار في الحياة، وصراحة لا ينقصهم ذلك لأنهم كانوا يمنحوننا المعنويات بقصصهم البطولية الكبيرة.
وتؤكد السيدة شكوحي أن أولادها حرصوا على تشجيعها باستمرار لإكمال مسيرة زوجها الشهيد ووالدها وأقربائها في الدفاع عن تراب الوطن الغالي وتأمل أن تفي الوطن حقه في الدفاع عنه من خلال المساهمة بما نستطيع تقديمه لمساعدة أهالي الشهداء والجرحى.

طباعة