رغم بساطة الفكرة، التي تقدمت بها الآنسة عليا معروف، المهندسة الزراعية المكلفة بتدريس الصف الخامس للشعبة الأولى، في مدرسة الشهيد جاد لله شنان، في مدينة جرمانا بمحافظة ريف دمشق، إلا أن معانيها ومدلولاتها كبيرة، لأنها أضفت المتعة على أجواء الرحلة، التي دعت إليها طلابها ضمن الصف، للخروج من الظروف الصعبة التي سرقت منهم أجمل أيام حياتهم بسبب الحرب على سورية.
تتعدد النشاطات التي تقوم بها الآنسة عليا بحسب المرشدة الاجتماعية والنفسية هيام نحلة، إذ تقوم بتعليم الطلبة اللغة الفرنسية في حصص الفراغ وطريقة الزراعة الصحيحة وأهمية الغطاء النباتي في حياتنا، وتشجعهم على قراءة القصص وكتابة قصص من نسج خيالهم.
التحفيز على الجد والاجتهاد
المهندسة عليا معروف تحدثت لـ«تشرين» عن فكرتها قائلة:
حرصت على دعوة طلابي إلى رحلة داخل الصف لتحفيزهم على الجد والاجتهاد، فقاموا بداية بتنظيف الصف وأفرغوا وسطه من المقاعد، ثم فرشوه بالبطانيات، ليفردوا بعد ذلك ما اتفقوا على جمعه من أطعمة الرحلة، وعبر كل من حسن ومحمد ولارا ونايا وتسنيم عن سرورهم كما أشاروا لنا، مضيفين: شعرنا وكأننا في رحلة حقيقية ممتعة وحملنا ذكريات حلوة معنا نتطلع لتكرارها باستمرار.
تضيف المهندسة معروف: لاحظت بعد الرحلة أن جميع طلاب الصف الـ(59) لم يتغيبوا في يوم الرحلة، وأفرغوا في هذا اليوم الضغط الذي يعانونه بسبب ظروف الحياة المختلفة، وبدت الحيوية عليهم في اليوم التالي للرحلة جلية من خلال المشاركة بفعالية أكبر من الجميع، وتحسن الحالة النفسية لهم وهو الأمر الذي لمسته من خلال الاتصالات التي تلقيتها من الأهالي بعد الرحلة، وتمنياتهم باستمرار ذلك، علماً أن الالتزام من الطلبة كان رائعاً، ليس بحضورهم جميعاً فحسب، بل في تنفيذ واجباتهم الدرسية بدقة، ومن دون الحاجة لتذكيرهم بها.
يضاف لذلك الدعم الذي تلقيته من إدارة مدرسة الشهيد جاد الله شنان في تنفيذ هذا النشاط المفيد للطلبة، وكذلك في تصورنا للأنشطة المقبلة.
قمة الانضباط
تؤكد المرشدة نحلة أنها حرصت على تشجيع الآنسة عليا لكونها عملت شيئاً مميزاً من خلال مبادرة الرحلة التي قامت بها، وتقول علينا أن نقدر جهود المخلصين في العمل لأنهم بحاجة إلى التقدير المعنوي، وخاصة من هم في بداية عملهم، كما ينبغي أن نوفر لهم الحافز ونستثمرهم بالشكل الأمثل لكي نطور ونحسن الفائدة للطلبة.
وبصراحة شعرت خلال متابعتي لأجواء الرحلة التي خططت لها الآنسة عليا أن الطلاب كانوا في قمة الانضباط، وكأنهم يعيشون أجواء قريبة من البحر والحدائق، وفي هذا اليوم فعلاً لم يتغيب أحد منهم، وكانوا في قمة الانضباط، لأن المعلمة اعتمدت لغة الحوار والتشجيع في التعامل معهم، وهي من أنجح المعلمات في المدرسة، ومن يعمل بإخلاص وتفانٍ لابد من أن يحصد النجاح ونتيجة عمله.
أجواء اجتماعية
الدكتور حليم الأسمر الأستاذ في قسم تربية الطفل في كلية التربية في جامعة حلب قال معقباً على الرحلة داخل الصف:
عموماً تعد الرحلات والزيارات من ضمن الأنشطة المدرسية، وقد لا تستطيع المعلمة أن تجعل الطلبة يعيشون أجواء الرحلة الحقيقية تماماً، لكنها حين تمكنهم أن يعيشوا أجواء اجتماعية خارجة عن إطار نظام الدرس، فإنها تكون حققت أهدافاً مهمة جداً، لأن الطفل الناشئ بحاجة إلى شيء يساير المناهج ويكملها، وفي ظل ظروف الحرب من الصعوبة بمكان إقامة رحلات بالشكل الآمن والمستقر نفسياً للطلاب، وحين يلجأ المدرسون – ووفقاً لمهاراتهم وخبراتهم- إلى بعض الأنشطة الصفية التي تكسر روتين الدروس الاعتيادية، فإن هذا الأمر مهم جداً في حياة الطلبة بالرغم من مشكلات الازدحام الصفي نتيجة الأعداد الكبيرة في الصفوف، والتي قد تؤدي إلى شرود الطلبة، وعدم مقدرة المدرس على السيطرة على الدرس بالشكل المناسب.
التحرير من الدروس الاعتيادية
وتالياً حين يلجأ المدرّس أو المدرّسة، وتحت إشراف إدارة المدرسة ومعرفتها، إلى هذا الأسلوب من الاجتهاد يتحرر الطالب من الدروس الاعتيادية، ويتحول إلى نوع من الصف الاجتماعي، ويمكن أن يؤدي إلى زيادة في التعارف بين الطلبة.
وفي المحصلة هي فكرة تخلق البدائل ولا تخرج عن أجواء المدرسة، وتساهم في المزيد من الألفة خلال الدروس، وفي الحياة التي نطمح لها.
ويختم الأسمر قائلاً: عموماً المدرسة يجب أن تتحرر من المفاهيم القديمة على أنها فقط للدروس، بل علينا أن نوفر للطلبة الأنشطة المفيدة والتربية المتكاملة في هذا الزمن الذي تغيرت فيه الكثير من قواعد وعوامل الحياة.

::طباعة::