لم تكن هدى، وهي طفلة لما تبلغ الثانية عشرة من العمر، وطالبة في أحد المعاهد المهتمة بالأشخاص ذوي الإعاقة الحركية، تدخل إلى قاعة المسرح في أحد المراكز الثقافية للمشاركة في تكريم زملاء لها فازوا في مسابقة الرسم والقصة، حتى امتلأت عينيها ووجهها بدموع نغصت عليها فرحتها، فالقاعة التي لطالما حلمت بالدخول إليها لم تحسب حساباً لكرسيها المتحرك، وهو ما اضطرها للبقاء وحيدة.. حبيسة تلك المساحة الصغيرة خلف المقاعد، تحرك رأسها يميناً وشمالاً لعلها تتمكن من رؤية المكرمين على المنصة والتقاط بعض الصور التذكارية لهم.

حالة هدى -دموعها وحسرتها- تقاسمتها مع أطفال كثر من مختلف الإعاقات ممن انفطرت قلوبهم حزناً وهم ينظرون من شرفة الطابق الأول في المركز إلى القبو حيث تقام مسابقة ومعرض الرسم، لعلهم يكحلون عيونهم برؤية أسمائهم وهي تزين لوحات لهم كانت معروضة هناك، فيبعثون بارقة الأمل والفرح من خلالها إلى قلوب ذويهم الذين دأبوا على تربيتهم وتعليمهم من أجل إبعاد شبح العزلة عنهم وتأمين كل ما من شأنه تحقيق معادلة دمجهم في المجتمع مع أقرانهم الأصحاء، وكاد لحلم الدمج ذاك أن يتحقق مع صدور القانون 34 الذي أثلج صدورهم وطمأنهم على فلذات أكبادهم، فبنوده ومواده التي شملت جميع مناحي الحياة الاجتماعية والتعليمية والصحية والخدمية، لم تترك مسألة، صغيرة كانت أم كبيرة، تخص الأشخاص ذوي الإعاقة إلا عالجتها، لكن سطوة الروتين والإهمال الذي أخّر تنفيذ بنود ذلك القانون ووقف عائقاً أمام تحويل تفاصيلها إلى مستحقات على أرض الواقع أحبط معنوياتهم، فأضحت مقولة: «القوانين موجودة.. لكن العبرة في التطبيق» قناعة راسخة لديهم، تستفزهم من جهة، وتحثهم من جهة أخرى على تساؤل بات يسبب الضيق والكرب عند الجهات المعنية والمسؤولة مفاده: هل يعقل أن الوقت لم يحن بعد عند وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل وغيرها من الوزارات والجمعيات التي تتغنى برعاية الأشخاص ذوي الإعاقة، لاستذكار ما جاء في أوراق ذلك القانون وما تبعه من قرارات وتصنيفات للإعاقة، للعمل على لحظها وتطبيقها في الخطط القادمة -ولاسيما أننا نقف على عتبات مرحلة إعمار البشر والحجر- من أجل رسم ملامح الفرح على وجوه الأشخاص ذوي الإعاقة وذويهم، وإعادة نبض الحياة إلى قلوب أولئك الأشخاص الذين فرضت عليهم الحرب ظروفها وقسوتها فتركتهم أسرى إعاقاتهم، يرقدون على أسرّتهم وسط دموع أمهاتهم وأحبتهم وقد ملأت صورهم صفحات «الفيس بوك» يومياً، فهؤلاء الشهداء الأحياء حالهم كحال غيرهم من الأشخاص ذوي الإعاقة لا يحلمون باحتفالية أو ندوة أو تكريم ينتهي بتقديم سلة غذائية وأخرى صحية ومبلغ رمزي قد لا يكفي ثمن الأدوية التي يحتاجون إليها، بل يطمحون إلى أن يتردد صدى تساؤلاتهم وأصوات أناتهم ومعاناتهم ومعاناة ذويهم المادية والمعنوية ويلقى آذاناً مسؤولة مصغية تعمل على إيجاد حلول مناسبة وتسهيلات تضمن لهم حياة لائقة وكريمة، وتساهم في تسريع خطوات قضية الدمج المجتمعي الذي يحولهم إلى عناصر فاعلة لها دور حقيقي ومؤثر في خدمة المجتمع والوطن.

طباعة