تشرين
يحدث أن تتآكل الهوية وتتضاءل من دون أن يُدرك ذلك أو يعى، وعندما يحدث انفجار اجتماعي لن يكون انفجاراً للهوية في تلك اللحظة بالذات، وإنما هو يكشف -في وجه من أوجهه- عما كان قد حدث بالفعل، وعليه، فإن الأزمة في سورية لم تفجر الهوية، إنما كشفت عن أنها كانت مأزومة وذات قابلية متزايدة للانفجار،  أو من دون مؤشرات مباشرة على أنها -هي نفسها-  فالمجتمع في سورية يتكون من بنى ومكونات وتفاعلات وعلائق ومدارك إثنية ودينية وثقافية ولغوية وجهوية متعددة، وهنا يكون التحدي: كيف يمكن أن تقوم هوية وطنية جامعة في ظل ذلك التعدد، لا تكون بديلاً عنه ولا تعبيراً عن قوامة إحدى هوياته وعصبياته على الأخرى، أي لا تكون «هوية تَغَلُّب»! هذه التساؤلات كانت المادة الأساسية المطروحة للنقاش في مؤتمر «الهوية الوطنية 20-21 كانون الثاني 2018،بمشاركة عدد كبير من أعضاء مجلس الشعب وأساتذة الجامعات والمفكرين ليكشف قراءات ومراجعات في ضوء الأزمة في سورية»، كمحاولة لإطلاق شرارة التفكير في موضوع الهوية الوطنية، وافتتاح النقاش حوله، من باب الاستجابة الثقافية والفكرية لما يراه مركز دمشق للأبحاث والدراسات  «مداد» تحدياً وجودياً لسورية.

الدولة قوة توحيد وهندسة
بوصف الدولة قوة توحيد وهندسة هوياتية تحدث المشاركون في المؤتمر عن «عقد اجتماعي» يحيل بدوره إلى الدولة، بصفتها «نظاماً معياريّاً» مؤسساً لأنماط من الهوية والهوية الوطنية، بفعل الهيمنة، بمفهوم غرامشي وماكس فيبر، أو قوة إكراه على التوحيد، تحديداً إذا كانت تعبر عن هوية غالبة، سواء أكانت هوية أحد مكونات الدولة، أم هوية متخيلة لدى نخبة الفعل السياسي والدولتي أو هوية توافقية، ذلك في دول ومجتمعات ما بعد الحرب التي تركز على «المواطنية»، ولا يمثل العبور انتقالاً خطياً أو إدماجياً من التعدد الى الوحدة، إنما فرصة أو إمكانية لتشكُّل أو نشوء هُويّة موازية للهويات القائمة، متمفصلة معها في فضاء المجال الذي تتسع له الدولة، ولا يمثل العبور إلى الهوية الوطنية حصيلة حتمية لتجاور أو تفاعل الهويات الفرعية، إنما هو حصيلة أو نتيجة نشوء مجال سياسي وثقافي مختلف على أساس المواطنة.
سياسات الهوية اليوم
شارك في المؤتمر 28 باحثاً وأكاديمياً ومفكراً من مختلف الجامعات السورية والقطاعات البحثية والفكرية، وتوزعت المحاور بدايةً من مناقشة إشكاليات التعريف إلى تحديات البناء وعوامل التهديد وعلاقة الهوية الوطنية بالدين والدولة والحرب التي تعيشها سورية منذ سبع سنوات، وصولاً إلى دراسة كيفيات تمظهر الهوية الوطنية السورية واقعياً، ومعاينة تعبيراتها في الأدب الروائي، وفي التراث الثقافي غير المادي، ومناهج التعليم، والدراما السورية، وفن العمارة وعلاقته بإعادة الإعمار.
وكشف المشاركون أن سياسات الهوية اليوم تمثل ما يشبه إطاراً عاماً للسياسة العالمية الراهنة، فقد باتت الهويات العرقية والطائفية والدينية والوطنية أدوات ترتكز إليها السياسة الدولية.
الدكتورة أشواق عباس- عضو مجلس الشعب شاركت في محور بناء الهوية الوطنية السورية، وتم التأكيد أنه ليس من السهل أن نفهم ما هي الهوية، وكيف تبنى الهوية الوطنية في الظروف الاجتماعية-السياسية المختلفة ووفقاً لمقتضياتها، الأمر الذي يؤكد الحاجة إلى رؤى وآليات نظرية وعملية للانتقال من الهويات الفرعية إلى الهوية الوطنية، وفي سورية لم يتحول بناء الهوية الوطنية السورية، على أهميته، إلى مشروع متكامل على المستويات السياسية والثقافية والاجتماعية، تعمل من أجل تحقيقه الفواعل المعنيّة كافةً، وظلَّت القضايا المتصلة في الهوية الوطنية مغفلة أو متروكة لمشروعات ما دون الهوية الوطنية (الطائفية والمذهبية والعشائرية) أو ما فوق الهوية الوطنية (القومية والأممية والدينية)، رغم ارتباطها الوثيق بالأمن الوطني.
نقاط الاتفاق
الاعتراف بأهمية طرح موضوع الهوية الوطنية وجعله مادة للتفكير والكتابة والتداول من أهم النقاط التي اتفق عليها المشاركون، بصفته متصلاً على نحوٍ مباشرٍ بوجودنا كسوريين، وبمستقبلنا، بحسبان أن الهوية وعي للذات، سواءٌ أكانت فردية أم جمعية، بنفسها وبوجودها.
أضف الحاجة إلى صياغة تعريف واضح ومحدد الدلالة للهوية الوطنية السورية، يكون جامعاً لكل السوريين الذين ليس فقط يحملون جنسية دولتهم؛ بل يكون لانتمائهم وولائهم لها أولوية على أي انتماء أو ولاء آخر، ما يسمح بتشكيل نواة صلبة للهوية الوطنية السورية، تكون شاملة وتضمينية، وتغدو نسيجاً ضاماً لكل السوريين بعلامة فارقة، تتعين في حب سورية والفخر بالانتماء لها، والعمل من أجل رفعتها وتقدمها والتضحية من أجل حمايتها والحفاظ عليها.
فالهوية ليست تصوراً منتهياً ومكتملاً، بل هي مفهوم مركّب ومتنوع ومتعدد المكونات والعناصر إثنياً ولغوياً وقومياً وإنسانياً، والمشكلة ليست في التنوع في حد ذاته، بل في كيفيات التعاطي معه، أي بتحويله من مشكلة إلى ميزة.
ولا تبنى الهوية على الماضي، رغم حضوره فيها، فالهويات الماضوية، وعلى اختلاف تسمياتها، مغلقة ومتصلبة وتجافي حقيقة أن الهوية سيرورة وتكامل وتجدد مستمر لارتباطها بالحياة.
كما تواجه الهوية الوطنية السورية، وبدلالة البعد الكاشف للأزمة، جملة تهديدات تسبب القلق على الهوية وفيها، ومن أبرز تلك التهديدات والمخاطر، تهديد الانقسامات والتذرر إلى هويات ما قبل وطنية تقوم على أسس الانقسام العرقي أو اللغوي أو المذهبي أو الطائفي، فهذه الانتماءات التقليدية والأولية تنذر بصراعات غير مثمرة تاريخياً، فالهوية الوطنية تتسع لكل السوريين رغم اختلاف انتماءاتهم.
إشكالية تعريف مفهوم الهوية
– ناقش الباحثون إشكالية تعريف مفهوم الهوية، وارتؤوا أن مقدمات الهوية موجودة فينا، ونحن نشارف على إرهاصاتها ونعاين عناصرها في ديمومة الحياة، وتكامل المسارات التي يراهن الواقع على إنتاجها وطنياً واجتماعياً وثقافياً وسياسياً، فالهوية تحيا وتتوطد بفعلِ الجغرافيا والتاريخ والأنثروبولوجيا والأثنوغرافيا والإيديولوجيا. والدكتورة نورا اريسيان رأت في محور الهوية السورية والسوريين الأرمن أنموذجاً للتنوع الثقافي، وبيّنت أن وفي محاولة رصد صيرورة تكوّن مفهوم الهوية وتعيناته في الأنا والذات والآخر عبر الصيرورة التاريخية في العالم والمنطقة، هنالك رغبة في تأصيل المفهوم وفق رؤى لا تدّعي البحث الماهوي الثابت والمنتهي، لكن تؤكد على الطابع الديناميكي لمفهوم الهوية القائم على التفاعل التداخلي بين بنياته وطبقاته، للخلاص إلى تأكيد أولوية الهوية الوطنية ضمن هذا المركب ومصيريتها.
يجب ألّا تكون الهوية محنطة ونهائية، بل ديناميكية تتثاقف مع الهويات الأخرى، ويجب ألا تنتابها حالة الجرح النرجسي إزاء الهويات الأخرى التي تستبيحها، والهوية ليست كياناً يعطى دفعةً واحدةً وإلى الأبد، إنها حقيقة تولد وتنمو وتتكون وتتغاير، وتشيخ وتعاني من الأزمات الوجودية والاستلاب، الهوية سيرورة تتشكل في سياق، وليست حقيقة منتهية؛ إنها ذات منطق خاص تتماهى مع الآخرين وتتمثّل منهم وتتثاقف وإياهم وتضيف وتُنقِص وتصطفي وتنسف وتبني، ونضج الهوية لا يعني نهايتها؛ بل يعني أنها بلغت سن الرشد.
مفهوم الهوية الوطنية الجامعة تؤسسه ثقافة وطنية، تحدد معالم أو نقاط علام لها، وتربطها بالانتماء ثم بالمواطنة، وهي ثقافة معلمها الأساس أنها مرهونة زمانياً ومكانياً في إحالة إلى واقع مرتبط بأزمة.
ينبغي نقض مفهوم الخصوصية في سؤال الهوية، ونقض التعريف الصوري للهوية، ونقض التعريفات المغلقة، وإثبات المفهوم العلائقي للهوية بوصفها صيرورة، عن طريق مجابهة منطق الخصوصية الجوهراني ودفع مقولاته الاختزالية، وإعادة تعريف الهوية بنقص التعين وبالانفتاح على الفعل والمشاركة خلافاً للهويات الضيقة، وعالج الباحثون في المؤتمر تحديات بناء الهوية الوطنية، إذ أشاروا إلى أنه:
مع ظهور الدولة السورية كانت الهوية الوطنية في الوعي الشعبي، منفتحة قومياً ودينياً غالباً، ومؤسسة على محاربة المحتل، غير أن انفتاحها داخلياً، كانت تعوقه ثقافة عثمانية متعصبة.
وعَدَّ الباحثون أن معرفة وعي الفئات الشعبية الآن مهم لمعالجة إشكالات الهوية عبر الارتقاء بما قبل الوطني، وضبط ما فوق الوطني ليكون الوطني أولاً، فمن الإشكالات الرئيسة في سورية أننا لا نعرف بعضنا على نحو عميق ولا نحسن الحوار، ونخاف الإقدام عليه، لوجود أكثر من رقيب في داخل كلّ منّا، وتناولت إحدى الأوراق في المؤتمر حالة السوريين الأرمن كأنموذج للتنوع الثقافي ضمن الهوية السورية، إذ أكدت الورقة أن السمة الوطنية هي التي جمعت بين البعدين السوري والأرمني، مع بقاء الهوية السورية- الأرمنية هوية إيجابية بعد الأزمة في سورية، متضمنة في إطار بناء الهوية الوطنية السورية، فالسوريون الأرمن يجمعون في شخصهم الهوية الوطنية السورية، ويمثلون أنموذجاً قوياً في التعاطي مع التنوع الثقافي للمجتمع السوري.
التهديدات والتحديات
أُشير في المؤتمر إلى التهديدات والتحديات الخارجية المتمثلة بالتهديد الأمريكي بوصفه نقيض التاريخ أي اللاتاريخية، وخطره على كينونة الهوية السورية التي تمثل التاريخية الحقيقية، وأنه يجب تجاوز الأعراق والأحزاب والطوائف لمصحلة الوطن السوري، بهمة الجيش العربي السوري الذي أعاد الهوية الجغرافية لسورية التي علينا واجب استعادة هويتها الحضارية الجامعة عن طريق إكمال بناء الدولة الحديثة، فلا دولة بلا هوية ولا هوية بلا دولة، والدولة ككيان ومؤسسات هي السمة الأبرز التي تميز وتوسم الهوية الوطنية السورية، وهي علة وجودها.
الهوية الوطنية السورية هي حاصل تمفصل وتفاعل الهويات الفرعية والعابرة وهذه الثانية هي جزء من الأولى ولا تتطابق معها ولا تحتويها، فيجب إعادة بناء المتحد السياسي الوطني، والحفاظ على الجيش الوطني العابر للطوائف والإثنيات، وإعادة تشكيل رأس المال الاجتماعي والرمزي واستنهاض الذاكرة التاريخية وإعادة بناء التاريخ الوطني السوري، على الرغم من أن دستور 2012 قد خطا خطوة مهمة نحو تحديد الهوية الوطنية، فإن ثمة ضرورة وطنية عامة في تعميق تلك الهوية في الوعي السوري العام وفي الدستور السوري وفي الخطاب اﻹعلامي والتربوي على السواء، علماً أن تحديد تلك الهوية ينبغي عدم فهمه على أنه نوع من القطيعة مع الهويات الثقافية ما تحت الوطنية وما فوق الوطنية أيضاً.
تجلّيات الهوية الوطنية السورية
طُرح في المؤتمر السؤال الآتي: ملامح التصدع في الهوية الوطنية السورية: هل كانت نتاجاً للحرب أم سبباً فيها؟ وأجابت إحدى الأوراق بأن الحرب نتاج للتصدع وليست سبباً فيه (على الأقل في البدايات)، ذلك بفعل العوامل الإقليمية والدولية، وفشل المشروعات القومية، وانهيار منظومة الدول الاشتراكية، وتنامي التيار الديني كبديل عن الفراغ، وارتباط اسمه بفعل المقاومة، الذي كان مانح الشرعية للدولة الوطنية، ومن ناحية التنوع الثقافي الذي لا ينحصر كهوية في المظاهر، فهو تنوع الأعماق، وتنوع العقلية التي تبدعه بوساطة الجهود الفكرية الخلاقة التي تحدث التغيير من دون أن تفقد الوحدة والانتماء، إن روعة التنوع الثقافي وبراعته، تكمنان في جعل الإنسان في مواجهة نفسه دائماً في أي زمن من الأزمان، وبمواجهة التطور الاجتماعي والسياسي والفني والإداري بصورة عامة. والتعبير الثقافي نمط من أنماط الاتصال يقوم بسد حاجة أساسية للجماعات، وتُعَدُّ بنية التعبير الثقافي عنصراً أساساً في تكيف مختلف الثقافات مع التحولات التي تفرضها المستجدات، تحديداً العولمة، على أن يقوم المبدعون والفاعلون الثقافيون بلعب دور مهم في هذا الصدد عن طريق إيجاد مجال للمواجهة الحاسمة بين القيم الوطنية والقيم الأخرى، وبين القيم والتصرفات في الماضي وما يتوقع في المستقبل، في هذا السبيل، يمكن التأكيد على أن حفظ التنوع الثقافي بالمعنى الواسع لا يمكن أن يتم إلا بحفظ أشكال التعبير الثقافي التي تُعَدُّ عاملاً مهماً في تمكين الأفراد والشعوب من التعبير عن أفكارهم وتشاطرها مع الآخرين عبر الحوار، إضافة لكونه يشكل عاملاً مهماً أيضاً في العملية الديمقراطية، لذا فإن حماية تنوع أشكال التعبير الثقافي أحد التحديات الرئيسة التي نواجهها وتواجهها الشعوب في عصرنا.
مشروع الأرشيف الوطني السوري
عرضت إحدى الأوراق المشاركة مشروع الأرشيف الوطني السوري، الذي يعتمد على المعرفة كأهمّ مرتكزات الهويّة الوطنية، فبالمعرفة يتعرّف الإنسان إلى نفسه، وإلى الآخر، وعلى وطنه، وتاريخه وحاضره ومستقبله، ويتصالح معه، ويسيران معاً إلى المستقبل. المعرفة هي من جهة خلاصة التفاعل العقلي الكوني التي هي في حالة بحثٍ مستمّر عن القيم المثلى للإنسانية، وهي أيضاً من جهة أخرى خلاصة التجربة الفريدة التي يقوم بها مجموع الأفراد في وطن ما، وهذا بالضبط ما يهدف إليه مشروع SYR-DNA، تجميع المعرفة، وربطها، وإتاحتها للجميع.
كما ناقشت إحدى الأوراق تحولات الهوية في الدراما السورية، وتأثير الدراما الخارجية وتحديداً التركية والخليجية على الوعي الجمعي والسلوك الفردي في المجتمع السوري، كما أثارت الورقة الكثير من الشجون عن دور الدراما المعول عليه في مرحلة إعادة إعمار الإنسان بعد انتهاء الحرب على سورية.
وفيما يخص الهويّة المعماريّة: أكدت إحدى الأوراق المشاركة في المؤتمر أنه، بين كلّ ما عداها من مقوِّمات ومكوّنات للهويّة (والتراث) وما عداها من التجليّات والممارسات التطبيقيّة لخطاب الهويّة، يبقى المُنتج المعماري أهمّها، وأكثرها حُضوراً وتأثيراً وسَطوةً وديمومةً بما لا يقاس، إذ يكتسب المنتج المعماريُّ أهميّةً راهِنةً مضاعفة، ذلك لعلاقته المحورية بمفهوم «إعادة الإعمار» المأمول أن يكون تجسيداً لثقافة الانتصار، وانتصار الثّقافة، فقد كانت العمارةُ دائماً بالنسبة إلى الأمم المتحضّرة أمَّ الفنونِ والثقافات والتجسيد الراسخ للانتصارات، ومع استهداف الهُويّة السوريّة بالتدمير المُمنهج والمُبرمج للتّراث العمراني، يُخشى من اصطناع هُويّةٍ مُلفَّقة من جراء مقاربة إعادة الإعمار بطريقة محكومةٍ بالارتجال وبحسابات بحتة، سواء أكانت ريعيّة، أم استهلاكيّة، أم خدمية، ولابد من التأسيس السليم لمفهوم ومشروع إعادة الإعمار شرط أن ينضوي كذلك على إعادة النظر في المقاربة الماضية (والماضوية) لمفهوم الهويّة المعماريّة الحافلِ بالمغالطات، ولا يستوي ويستقيم هذا المفهوم من دون مراجعةٍ جذريّة للمفاهيم التي تأسّسَ عليها وانبنى، ومن شأنِ مُراجعةٍ كهذه بَلْوَرةُ هُويّة نَهضَويّة تقدميّة وحداثويّة بالعُمقْ ومَحليّة بحقّ، بعيداً عن عَصبيّات وعُصابات النُكوص والاستشراق والاستغراب والاستلاب، وبما يُحوِّل زلزالنا الوجوديّ إلى مخاضٍ خلاّق يليقُ بحجم الطموحات والتضحيات، وبما يُجسِّد ثقافة المُقاومة لا مُقاومة الثقافة، ولا ثقافة المُقاولة التي تستبدل وصفةً شكلانيّة بالية ومأزومة بأُخرى زائفةِ المُعاصرة أو الحداثة المزعومة، وتنقلنا من سوء فهم التراث إلى سوء فهم الحداثة، أي من ثقافة القص والّلصق والاستنساخ من زمانٍ آخر إلى ثقافة القَصّ والّلصق والاستنساخ من مكانٍ آخر.
الأساس النفسي والتربوي للانتماء
في موضوع الأساس النفسي والتربوي للانتماء والهوية الوطنية: جادلت إحدى الأوراق بأن الانتماء هو العمود الفقري للهوية الوطنية، داعيةً إلى تجسيد الفكر الوطني كسلوك يومي في الفرد يحقق الأمن النفسي والتربوي، ويعلي شأن المسؤولية الاجتماعية، وثقافة المؤسسات، وأكدت أن سلوك المواطنة والانتماء يمكن قياسه، وأن هناك فروقاً فردية في مكوناته، وأن للسلوك الوطني مكونات ثلاثة: وجداني قيمي، عقلي معرفي، وسلوكي عملي، ويجب أن تتناسق هذه المكونات معاً، وتتجسد في الممارسة الوطنية بعدّها تعبيراً عن الهوية الوطنية، إذ توجد علاقة موجبة بين الانتماء الوطني والأمن النفسي والتربوي، وعلاقة سلبية بين الانتماء الوطني وكل من الاغتراب النفسي والتعصب والجمود الفكري والسلوك اللااجتماعي (عنف وعدوان وانحرافات).
في محور الهوية الوطنية والتربية والتعليم تمت مناقشة عدة قضايا ترتبط بدور التعليم كجزء أساسٍ من حياة السوريين وتكوينهم النفسي والاجتماعي، وكيف يمكن للتعليم أن يحقق النهضة المجتمعية وإعادة إعمار سورية بعد الحرب، واتفق المشاركون على أن المناهج المقدمة لا تحقق توجهات سورية نحو مستقبل متوازن للطفل والشاب السوري، وقد توصلت الأوراق المشاركة إلى أن مهمة المناهج تكمن في تثبيت شكل المواطنة في سورية من دون تعارض في دوائر الانتماء الديني والسوري والعربي والإنساني.
وخلصت الأوراق أيضاً إلى أنه يجب أن تراعي المناهج التربوية والتعليمية الفئات المستهدفة، أي الطلاب حسب مستواهم العمري والعقلي والتعليمي وضرورة محاولة الإجابة عن أسئلة الأزمة في سورية، وعلى المناهج أيضاً، أن ترُدَ بصراحة على استخدام الدين من قبل الجماعات التكفيرية وأن تهدف إلى احترام التنوع الديني وتقبل الآخر والتسامح الاجتماعي، وتالياً ضرورة ربط وتوافق الكتب والمعارف المقدمة للطفل، تحديداً بين كتب الديانة والتربية الوطنية والعلوم الطبيعية.
المسارات الممكنة
في المسارات الممكنة للهوية الوطنية لم يكن من أهداف المؤتمر رسم أو تحديد هوية وطنية لسورية، وإنما فتح باب النقاش حول موضوع كان من المهيب والمحرم تناوله ومعالجته، وتم ذلك بموضوعية بعيدة عن الانفعال والتعصب لهوية محددة، وبناءً على ذلك عرض الباحثون عدة مسارات ممكنة للهوية الوطنية تعبر عن رأي أصحاب الأوراق المشاركة في المؤتمر نذكر منها:
العروبة كواقع ثقافي ونطاق وعي جمعي غير مرتبط بعرق أو دين من دون غيره، أداتها اللغوية هي الحاضن الجامع لكل أبناء الشعب السوري وسجل أساس لتراثه الفكري والحضاري ولحاضره ومستقبله، وهي أيضاً نطاق حيوي له أبعاده الاقتصادية والجيوسياسية والثقافية المهمة التي تحافظ على موقع سورية المؤثر في المحيط الإقليمي، إن تعزيز الحالة العروبية في الهوية الوطنية السورية المعاصرة لا يلغي التنوع الثقافي (بأبعاده اللغوية والعرقية والإثنية والدينية) الذي طالما كان نسيجاً سورياً فريداً علينا الحفاظ عليه، يجب البناء على الحالة العروبية السورية لحماية الدولة الوطنية الحديثة وتعزيز مصالحها الحيوية في المشرق العربي، لقد كانت العروبة منذ البداية منتجاً ثقافياً مشرقياً أبدعته عقول مفكري بلاد الشام من خلفياتٍ متنوعة، والهوية المشرقية كإطار أوسع من الهوية الوطنية المرتبطة بما تبقى من حدود سورية بلاد الشام، وهذه الهوية تشكل إطاراً جامعاً للهويات القومية والدينية التي انبثقت في منطقة جغرافية مفتوحة، تضم في ثناياها منطقة البحار الخمسة، وهذا يقتضي العمل على مستويات مختلفة إعلامياً وتربوياً واقتصادياً وثقافياً: الأول، هو المستوى الوطني بإعادة ترسيخ الهوية الوطنية عن طريق الارتقاء بعمل الدولة الوطنية مع التعريف بكل الهويات المشاركة بها وعدم الاقتصار على نمط واحد ومفروض، والثاني، هو العمل على مستوى سورية والعراق وتعزيز مسألة اندماجهما ضمن وحدة جيوسياسية واحدة لإحداث التوازن في المنطقة، والثالث، يتعلق بالإقليم ككل والعمل على الخروج من منطق الصراعات إلى منطقة الشراكة، وهذا يقتضي العمل في مرحلة لاحقة بعد نزع عوامل الصدام.
العبور إلى الهوية الوطنية الجامعة
خلص المؤتمر إلى  أن الهوية الوطنية السورية موجودة، وتنامى الوعي بها في تجربة الثورة السورية الكبرى عام 1925 ومقارعة الاستعمار الفرنسي وتبلورت في العقود اللاحقة، لكن تأخَّر إدراكها بسبب افتقادها إلى «إيديولوجيا وطنية» مرافقة لها، وهذا ما نحتاجه الآن على ضوء الأزمة منذ عام 2011، الحاجة إلى صوغ استراتيجية هوياتية تنبثق عنها سياسات مبتكرة تعليمية وإعلامية وثقافية، تغرس مفهوم الهوية الوطنية الواحدة، وليس «الموحدة» التي لا تلغي التنوع ولا تمأسسه، ولا تمحو الاختلافات وفي الوقت نفسه لا تثيرها، تجعل التعدد منظوراً من دون أن يحتل الواجهة، حيث يكون مصدراً لحيويتها وغناها وتطورها وليس مصدر تهديد لها.
التركيز على ربط الهوية الوطنية بالإنجاز، وبالتوجه نحو المستقبل والمشاركة في رفد الحضارة الإنسانية، واستخلاص القواسم المشتركة معها، وتأكيد قابلية الهوية للاغتناء والتعدد، وتخليصها من طوابع الجمود والانغلاق.
ضرورة تعزيز الثقة بدور الدولة، في كل المحافظات عبر وحدة الإنماء ووحدة المؤسسات، لإنهاء أي موروث لدى السوريين عن التمييز بينهم، ما يعزز الشعور بالهوية الوطنية الجامعة، ويحولها إلى وعي مجتمعي وسياسي وحقوقي، في الوجدان الشعبي والفعل السياسي على السواء، أي تقوية ارتباط المواطنين بالوطن، فإنه كلما ازداد انتفاع المواطن بوطنه، ازداد تعلقه به واستعداده لحمايته والدفاع عنه، ويكون ذلك بتوزيع المشروعات الاستثمارية والمرافق بعدالة لتشمل أرض الوطن كلها وتتيح فرص عمل للجميع.
تفعيل دور المثقفين والأكاديميين والمبدعين في نشر مفهوم الهوية الوطنية الجامعة بشكل فعلي، فبدلاً من بقائهم معلقين في فراغ الاختلاف، لابد من وقوفهم على أرضية تنوع الواقع والانسجام وتلمس حقيقة الجذور، ولكي تنخرط الطليعة في حاضرها لابد أن تعرف ما تقبله وما ترفضه في إطار التحديات الخارجية والداخلية، بتمكين الدعوات التي تؤكد على تطوير التشريعات والمناهج التربوية والأكاديمية التي تحتاج إعادة نظر لما لها من دور في تمكين الهوية الوطنية الجامعة، واعتماد العلوم الحديثة والبحث العلمي والتطبيقات التكنولوجية المتطورة، وكل ما يمنح الطاقات الخلاقة في المجتمع إمكانية التحليل لرؤية مستقبلية تحقق الازدهار للأفراد والجماعات والمؤسسات، أي تحقيق التفعيل الثقافي والعلمي بما يفضي إلى الوحدة الاجتماعية السياسية، ويحقق التنمية الضرورية التي تعد الأرضية الأساسية للاندماج الاجتماعي في إطار التنوع الوطني والهوية الذاتية.
ضرورة الاستفادة من التفصيل المفاهيمي الذي جرى في المؤتمر، عبر تعميق الوعي بأولوية وأهمية مفهوم الهوية الوطنية الجامعة من الناحية الوجودية، ذلك بتفعيل هذا الوعي عبر وسائل الإعلام بهدف تصحيح التشويهات ومواجهة التحديات التي طرأت على هذا المفهوم لدى الرأي العام، بوساطة تنشيط الاندماج الاجتماعي والانسجام والتفاعل والمنفعة العامة.
ضرورة عقد ندوات ومؤتمرات وورشات عمل تشارك فيها مختلف القطاعات الوطنية لاحقاً، ضمن موضوع الهوية والمواطنة لما له من تشعبات، إضافة إلى إطلاق مشروع بحثي متكامل يقوم على خطوات محددة ومدروسة، إذ لابد من الدخول الآن في التفاصيل والبدء مباشرة بتحليل معوقات وجود هوية سورية جامعة، ومن ثم القيام بتفكيك البنى الإيديولوجية في عقول بعض المثقفين التي تقوم بإنتاج نوع من الخطاب السياسي أثبت التاريخ فشله، كذلك لابد من التركيز الآن على أولوية الهوية الوطنية السورية من حيث العمل على إعادة تقديمها في أفق جديد تماماً، أي لا يخضع للرؤيتين الدينية والإيديولوجية في تحديد معنى الهوية، لذلك لابد من إعادة النظر في الخطاب الديني والخطاب الحزبي بأوراق عمل مُعمّقة.
المعرفة من أهمّ مرتكزات الهويّة الوطنية، وهذا بالضبط ما يهدف إليه مشروع الأرشيف الوطني السوري الذي طُرِحَ في المؤتمر، وهو يهدف إلى تجميع المعرفة المتعلقة بالهوية السورية، وربطها مع بعضها وإتاحتها للجميع.
تشجيع السلوك التطوعي في مختلف مؤسسات المجتمع بتفعيلِ الأنشطة الصفية واللاصفية في مؤسسات التعليم، وتنظيم مشروعات اجتماعية، وسياسية، واقتصادية في البيئة الوطنية ومشاركة الطلاب فيها، بما يعزز التنشئة الاجتماعية السياسية الوطنية وبشكل متكامل، بوساطة تعاون جميع المؤسسات المعنية.
ولما كان للدراما من تأثير كبير في تشكيل الوعي بالهوية الوطنية لما لها من جاذبية، فإن من الضرورة بمكان إيلاء هذه الصناعة العناية التي تستحقها، عبر دعم المنتج الوطني الذي يتبنى خطاباً وطنياً وحضارياً حداثياً يليق بسورية وتاريخها ومستقبلها المنشود، وتمييزه بمنح إنتاجية يقدمها صندوق لدعم الدراما الوطنية وإشراك صناع الدراما في صياغة الاستراتيجية الثقافية، إضافة لإنشاء مجلس أعلى يضبط صناعة الدراما وفق المواصفات الوطنية المؤهلة للعرض وللتصدير ويمنع الاحتكار والمضاربة.
آفاق التواصل والتداول
في الختام، دلّت النقاشات والحوارات على مستويات عالية في الفهم والتعبير، وأفصحت عن قدرة لافتة في احترام الاختلاف في وجهات النظر، مثلما بينت كيف يمكن لتعدد الرؤى والمنهجيات وزوايا النظر أن تعمق وتغني الفهم وتفتح آفاقاً للتواصل والتداول، بعد أن حسبنا أننا لم نعد قادرين على مطاولتها ولو فكرياً.
وتواجه سورية اليوم مخاطر وتحديات غير مسبوقة على صعيد الهوية، فقد حاول الكثيرون منذ بداية الأزمة في سورية استخدام موضوع الهويات والانتقال منه إلى الحديث الطائفي والإثني الأضيق والهدام، فلم تهدف -بشكل عام- المقاربات التي عدّت الأزمة في سورية «أزمة هوية» إلى الوصول إلى هوية سورية جامعة، بل إلى تأجيج الخلاف وتوسيع الهوة لتحقيق أهداف ومصالح سياسية، تتعارض بالطبع مع مصالح سورية الدولة والشعب، وأمام الظرف الذي تشهده سورية، بات على الجميع الوقوف لحظة للمراجعة وإعادة النظر، فالهويات أداة للصراع، وهي هدف رئيس له في الوقت نفسه، وكَثُر الذين يختزلون الهوية في انتماء واحد متحيّز ومذهبي ومتعصب وإقصائي وعنيف، ما يهدد بمزيد من التأزم الاجتماعي، ومزيد من التدخلات الخارجية، فسياسات الهوية كانت ولاتزال بوابة للتدخل الأجنبي في الشؤون الداخلية للدول والمجتمعات.
لذلك وليس انطلاقاً من أجندة سياسية أو إيديولوجية بعينها، ولا يريد من وراء ذلك أن يرسم أو يحدد هوية وطنية لسورية، ولا أن يدفع نحو تقديرات ومدارك هوية بعينها، بل أن يشجع على تكوين رؤية مشتركة بين جميع مكونات الشعب السوري لهوية مستقبلية، تؤسس لجدلية التعدد والاختلاف داخل الوطن الجامع، بما يدل على الغنى الحضاري النادر الذي يعبر عن عراقة سورية على المستوى التاريخي.
توفر للمؤتمر العديد من الميزات المتصلة بأهمية وحساسية موضوعاته وبكونه فضاءً حوارياً، تضمن جلسات عمل علمية رصينة ومنظمة، أسهمت فيها نخبة من الكتّاب والمفكرين والمثقفين وأساتذة الجامعات، وبمشاركة عدد من المعنيين بشؤون الهوية وشجونها.
تم عقد 6 جلسات عمل بحضور عدد كبير من الشخصيات الرسمية وأعضاء مجلس الشعب وأساتذة الجامعات والمفكرين والمثقفين والمهتمين بالشأن العام والإعلاميين.

::طباعة::