جدار الفصل العنصري الذي أقامه الكيان الصهيوني على أرض فلسطين المغتصبة، انتهاك صارخ لحقوق الإنسان الفلسطيني، وخرق فاضح للقوانين الدولية.
فمنذ قيام كيان الاحتلال الإسرائيلي راودت فكرة هذا الجدار أول رئيس وزراء لهذا الكيان «دافيد بن غوريون» الذي فكر بإقامة جدار عازل حول جميع مدينة القدس بقسميها الشرقي والغربي ليجعلها «عاصمة لإسرائيل».. وبعد احتلال الكيان الصهيوني عام 1967 الضفة الغربية وقطاع غزة، وفكرة الفصل بين الضفة والقطاع تراود أفكار الكثيرين من المسؤولين الصهاينة، من منطلق إيجاد «حدود» يسهل الدفاع عنها، ولتغطية اغتصاب أراضٍ وقرى فلسطينية تُضم لـ«الكيان العنصري».
وقد قام المغتصبون العنصريون الصهاينة بتبني هذه الفكرة من منطلق ألا تكون هناك حدود سياسية لذلك «الكيان»، ولأن حلمه كان تحقيق «حدوده من الفرات إلى النيل» كما ورد ذكر ذلك على باب «الكنيست الصهيوني»، وإحياء لعقدة «الغيتو» لدى اليهود التي ظهرت في عام 1216 تاريخ أول «غيتو» يهودي في مدينة البندقية الإيطالية الذي ينص على تجميع «اليهود» في أماكن تُحاط بالأسوار تعزلهم عن الجوار.. في حين كتب «فلاديمير زئيف جابوتنسكي» مؤسس الحركة الصهيونية التحريفية مقالاً بعنوان «على الجدار الحديدي نحن والعرب» جاء فيه: «من غير المحتمل التوصل إلى اتفاق مع العرب حول مغادرتهم الطوعية لأرض فلسطين وتحويل فلسطين إلى أرض تعيش فيها أغلبية يهودية.. والبديل هو قيام دولة يهودية بالقوة خلف جدار حديدي لا يستطيع السكان المحليون عبوره. وإن العداء هو الأساس لما يحيط بالغيتو من مجتمعات أخرى».. واستناداً لذلك، فقد زرع الاحتلال الصهيوني في أراضي الضفة الغربية 200 مستوطنة يسكنها أكثر من 300 ألف مستوطن، موزعة كبؤر استيطانية سرطانية في جسم أراضي الضفة الغربية لفرضها أمراً واقعاً، وجزءاً من «إسرائيل».
ويعدّ رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي «بنيامين نتنياهو» أكثر الوزراء الإسرائيليين تشدداً ودعماً لاستمرار اغتصاب الأراضي العربية الفلسطينية من خلال رؤيته المستقبلية للحل في المنطقة، واستراتيجيته الواضحة المعالم للنواحي الأمنية، والأيديولوجية، والسياسية للتسوية النهائية مع الفلسطينيين، والقضاء على خريطة الطريق، والإعداد لوجود ما يسمى دولة فلسطين مقطعة الأوصال الممزقة جغرافياً والمعزولة عن بعضها التي تقع تحت رحمة الحواجز والمعابر الإسرائيلية.
وأمام صمت معظم الأنظمة العربية، استطاع رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق «إسحق رابين» البدء بتنفيذ مخطط بناء جدار الفصل العنصري عام 1994 على الأراضي التي احتُلت عام 1967، لكن الكيان الصهيوني قرر في شهر حزيران عام 2002 بناء حاجز وجدار آخر، وهو ما اصطدم بالإصرار الوطني الفلسطيني على التشبث بالأرض، وعدم الرضوخ لهذه المخططات الصهيونية، وحسب تقديرات مركز المعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة، فإن هذا الجدار العنصري سيؤثر بشكل سيئ ومباشر في حياة 210.000 فلسطيني، وهم الذين يقطنون في 67 قرية وبلدة ومدينة، وفي الحقيقة إن الجدار العنصري يؤثر في أكثر من 680 ألف مواطن فلسطيني، حسب تقرير الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية، إذ يمر الجدار العنصري في مناطق من الضفة الغربية ويصل إلى عمق 7 كيلومترات ويبلغ طول الجدار بين 720- 750كم وبارتفاع 9 أمتار من الإسمنت.
وقد أصبحت منطقة أبوديس مقطّعة الأوصال، وسجوناً مغلقة مبعثرة معزولة عن بعضها، ويتمم الجدار إغلاق جميع بوابات القدس، ويستولي بموجبها على أكثر من نصف مليون دونم من الأراضي الزراعية العربية في الضفة الغربية وقطاع غزة، هذا إضافة إلى عشرات القرى الفلسطينية إلى الشرق من الحاجز التي سوف تعزل عن أراضيها الزراعية التي ستصبح إلى الغرب من الجدار، إضافة إلى عشرات الآلاف من الدونمات التي صودرت من أجل إقامة الجدار والحواجز.
يمتد جدار الفصل العنصري 225كم، إضافة شمال القدس وجنوبها ليشكل غلافاً للقدس، ويعزل تماماً القدس الشرقية عن الضفة الغربية، ويعزل 250 ألف مواطن فلسطيني مقدسي أيضاً عن الضفة.
وأكد مركز القدس للخدمات الاجتماعية أن هذه الإجراءات للجدار حول القدس ستؤثر في حقوق المواطن الأساسية في الوصول إلى أماكن العبادة المقدسة للمسلمين والمسيحيين على حدّ سواء، كما سيتم عن طريق الجدار، فصل الأحياء الواقعة داخل الحدود البلدية للمدينة المقدسة عن القرى والبلدات للوصول إلى القدس.
ويرى المركز أن «التذرع الإسرائيلي» بالدواعي الأمنية يعطي الكيان الصهيوني المسوغ للعمل ضد الوجود الديموغرافي الفلسطيني من خلال إخراج المزيد من المواطنين المقدسيين من القدس، وإسقاط حق الإقامة عنهم، أو عبر تكثيف عمليات الاستيطان الذي سيحول القدس العربية المحتلة إلى «غيتو يهودي» محوطاً بالمستعمرات من الجهات الأربع، وجدار الفصل العنصري يمر فوق المقابر الفلسطينية التي مسحت من الوجود، وكما ورد في تقرير الدائرة السياسية لمنظمة التحرير الفلسطينية فإن ما تسعى إليه سلطات الاحتلال الصهيونية، هو إزاحة حدود بلدية القدس إلى مناطق يطلق عليها اسم «القدس الكبرى». وهكذا امتزجت الرؤية الأمنية السياسية لتحقيق الأهداف الآتية:
1- تحقيق نظرية القدس الكبرى.
2- ضم أحياء (معاليم أودونيم- وجبعات زئيف) وجميع المستوطنات الواقعة اليوم خارج بلدية القدس إليها، وتالياً رسم حدود «كامب ديفيد» حول القدس، وإعادة خلخلة التوازن الديموغرافي لمصلحة الإسرائيليين بعد أن تبين في الدراسات الحديثة أن العرب أصبحوا يشكلون 35% من المجموع العام للسكان في القدس الموحدة.
3- إخراج قرى عربية من حدود البلدية، وتالياً التخلص من السكان.
4- الاهتمام بغلاف القدس، والمقصود تقوية، وتعزيز الجهود الإسرائيلية، الأمنية والاستيطانية خارج حدود بلدية القدس.
5- إنشاء لواء عسكري خاص يكون مسؤولاً عن إغلاق القدس.
6- فصل مناطق كثيرة بوساطة حواجز عسكرية، وليس شرطية عن مركز المدينة.
7- إغلاق جميع المؤسسات الفلسطينية الموجودة في القدس.
8- إبعاد الشخصيات الوطنية، أو التحقيق معها، وإبلاغها أنها شخصيات غير مرغوب فيها، كما حدث لكل من محافظ القدس جميل عثمان ناصر وعضوي المجلس التشريعي الفلسطيني زياد أبو زياد وأحمد هاشم.
9- سحب «الهويات الإسرائيلية» من المواطنين المقدسيين الساكنين في المناطق التي سيتم تحويلها إلى مناطق فلسطينية مثل (بيت حنانيا- كفر عقب- قلنديا) وتسليمهم هويات فلسطينية مع إبقائهم تحت السيطرة الإسرائيلية منطقة ج.
10- اعتقال من يعملون في أجهزة السلطة الفلسطينية، وإبعادهم إلى مناطق خارج حدود البلدية، وتقليص الوجود السكاني الفلسطيني في منطقة القدس.

قرار محكمة العدل الدولية حول جدار الفصل العنصري

عُرض موضوع هذا الجدار في تاريخ 18/12/2003 من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة على محكمة العدل الدولية للبحث في عدم شرعيته العنصرية، وبرغم كل الدعم الأمريكي والدور الإسرائيلي الناشط في بعض الدول الأوروبية والدول السائرة في الفلك الأمريكي لمنع محكمة العدل الدولية من إبداء رأيها الاستشاري، لكن هذه المحكمة لم تخضع لجميع هذه الضغوط، وأصدرت قرارها الاستشاري الشهير في تاريخ 9/7/2004 المتضمن «عدم شرعية الجدار العنصري الاحتلالي» الذي تبنيه السلطات الإسرائيلية في الأراضي العربية المحتلة ومطالبتها بإزالته.
وأشار القرار إلى أنه لا يجوز تبديل أو ضم، أو انتهاك حرمة الأرض أو تغييرها، وتعويض المواطنين الفلسطينيين المتضررين من جراء بناء هذا الجدار.
وطلبت محكمة العدل بقرارها من جميع الدول عدم الاعتراف بالوضع الراهن غير الشرعي الناجم عن بناء الجدار الذي صدر بأغلبية 14 صوتاً مقابل صوت واحد هو صوت الولايات المتحدة الأمريكية، وقد استمر رئيس محكمة العدل الدولية الصيني الجنسية القاضي «تشي جيو يونغ» بقراءة هذا القرار ساعتين لكونه جاء شاملاً لجميع مكوناته وحيثياته القانونية، ومستوفياً لها، وقد كان انتصاراً للحق الوطني الفلسطيني.

print