في أحد المنتديات الأدبية للقاص الأمريكي أرنست همنغواي سنة 1924، وعقب نشر نصّه (للبيع) طرح سؤاله الذي أمسى شهيراً: اكتبوا قصّة بست كلمات، من حينها – على ما يروي القاص زهير سعود- وهذا الجنس الأدبي الجديد يتُّم تناوله بمنتديات ونشاطات عديدة، وكان من أهمّها عندما أطلقت صحيفة في كاليفورنيا مسابقة في هذا الجنس تحت مُسمى القصة الومضة، اشترطت حينها عدم تجاوز الحجم السردي إحدى وخمسين كلمة، وهو عدد كلمات قصة الكاتب الروسي أنطون تشيخوف (ثروة).. ولم يمض الوقت الطويل حتى عدّ النقاد الكاتب الغواتيمالي أوجستو مونتيروسو (1921 -2003) السبّاق لكتابة أقصر قصة في العالم وهي: «حين استيقظ؛ كان الديناصور لايزال هنا». وهكذا دُونت انطلاقة جدّية في عالم الأدب لكتابة القصة الخاطفة التي حققت متعة الكتابة لدى عدد كبير من روادها وفي مختلف بلدان العالم…
القصة الخاطفة
وككل جديد في العالم العربي، لا يُقبل الإبداع الذي يخرج عن النسق بسهولة، وسيتحمّل من يخرج عن الركب الكثير من «اللعنات» حتى يُبجّل فيما بعد لاكتشافه دروباً جديدة.
حصل ذلك مع الكثير من الانعطافات الجديدة في الجنس الإبداعي نفسه، مثالٌ جليٌّ على هذه الحالة؛ ما حصل من انتقال في الشكل الشعري وحتى في بُنيته؛ من الموزون وشعر العمود والقافية إلى شعر التفعيلة، الذي لم يلبث طويلاً حتى انتقل لشكل قصيدة النثر، وهي اليوم – قصيدة النثر – وبعد مرور ما يُقارب من مئة سنة على إرهاصاتها الأولى، لاتزال تُلاقي بعض «السلفيين الثقافيين» الذين يرجمونها كلما تمكنوا من ذلك.
وهكذا كانت حال القصة القصيرة جداً التي جاءت انعطافة جديدة في القصة القصيرة والشعر معاً منذ تسعينيات القرن العشرين؛ هذه الانعطافة التي أظهرت للساحة الإبداعية هذا الشكل من الإبداع الذي كرّسه الكثير من الفعاليات الثقافية.
هذا الشكل الإبداعي الذي لايزال يغذُّ السير في دروب المشهد الثقافي العربي والسوري، يتعثر هنا، ويتقافز هناك، وقد يوضع في أقفاص في مناطق أخرى، أو يُنظر إليه شذراً في غيرها.
ولعلّ أبرز ما ساهم في هذا التطور العقلاني لفن القصة القصيرة جداً في سورية على مدى ما يُقارب عقوداً ثلاثة؛ كانت حفاوة الإعلام بهذا الشكل الإبداعي في البداية، حيث كتبت مئات المقالات والتحقيقات الصحفية عن القصة القصيرة، كان الكثير منها ساخراً مُتهكماً، ومع ذلك أفادها كثيراً، ولاسيما أن الجنسين الإبداعيين اللذين تطورت عنهما – الشعر والقصة القصيرة – وصلا إلى ما يُشبه المرافئ الأخيرة، أو على الأقل الوقوع في مطب المُحترف الواحد ومن ثمّ التشابه. ومن عوامل تطور القصة القصيرة جداً؛ إصدار العديد من المجموعات القصصية، كانت سمة الكثير منها «المجموعات المشتركة»، الأمر الذي أتاح الاطلاع على الكثير من النماذج، ومن ثم كانت الملتقيات التي أقيمت في غير مُحافظة سورية طوال عقد التسعينيات، الأمر الذي قربّها من الحالة الشعبوية وأخرجها قليلاً من النخبوية، ومن ثمّ ترهلت خلال العقد الأول من الألفية الثالثة، لكن مع بداية العقد الثاني منها؛ تلقى فن القصة القصيرة جداً دفعة قوية في مسيرته بإنشاء رابطة القصة القصيرة جداً كصفحة إلكترونية، وصل عدد المنتسبين إليها الآلاف؛ قراءً وكتّاباً ونقاداً، ولم تبق في إطارها الإلكتروني؛ بل خلال مدة الحرب على سورية أقامت حتى نهاية السنة السابقة ستة ملتقيات في مختلف المحافظات السورية، ومن مهمات الرابطة اليوم إصدار كتاب سنوي لأهم ما كتب خلال سنة في القصة القصيرة بما يُشبه انطولوجيا قصصية لهذا الفن.
من الفضاء إلى الواقع
وفي رأي الكثير من النقاد؛ فإنّ فن القصة القصيرة جداً؛ وصل اليوم إلى مراحل متطورة في الأساليب السردية والحكائية، ولم يأت ذلك من فراغ – كما يقول القاص محمد ياسين صبيح- بل من الحراك القوي الذي انتشر مؤخراً على الفضاء الأزرق الإلكتروني بالدرجة الأولى، وما تبع ذلك من تداخلات حوارية ونقدية مفيدة؛ تزايد فيها الاهتمام بهذا الجنس الإبداعي، سواء كتابياً أو نقديا أو في نشر المجموعات الورقية، أو في المنتديات الإلكترونية، ومن أهمها رابطة القصة القصيرة جداً في سورية التي ساهمت مع بعض المراكز الثقافية في إنجاح عدد من الملتقيات الخاصة.. وفي هذا السياق يُضيف د.صبيح: تأتي الملتقيات الأدبية التي تهتم بالقصة القصيرة جداً، لتلعب دوراً مهماً مُكمّلاً لدور الأدوات الالكترونية، من حيث التفاعل الكبير بين الكتاب، ومن خلال الحوارات المرافقة لها، ولخلق حالةٍ تآلفيةٍ وحواريةٍ مميزةٍ بينَ الكتّاب والنقاد، والذي سيؤدي بالتأكيدِ إلى زيادةِ الفائدةِ المعرفيةِ، وفي تبادِلِ المهاراتِ السرديةِ والحكائيةِ، وفي التّعرّفِ على كتّابٍ جددٍ، يمتلكونَ مقدرةً سرديةً مهمة، وإلى زيادة المعرفة الشخصيةِ والتفاعليةِ بينهم، ولكن يجب علينا تطوير هذه الملتقيات، لتشمل الجوانب النقدية بشكل مستقل، وأن ندعمها لنحقق استقلالية في إنجاز هذه الملتقيات، فقد تمّ تقديم قصص مميزة جداً سرداً وشكلاً في ملتقيات طرطوس ودمشق وحمص، ونطمح إلى مشاركات أوسع.. فهي تُساهم في تقييم تجاربنا السردية حتى الآن، وتساهم في تحفيز الكتّاب لمزيد من الإبداعات.. وقد يكون التحضير لملتقى كبير سنوياً تُشارك فيه مجموعة من الكتّاب والنقاد، مع وجود مشاركات عربية، هو الأنسب لخلق حراك نقدي وسردي مهم، وهذا يتطلب جهوداً إضافية كبيرة ودعماً مالياً كبيراً.
ملامح الغواية
من جهته الدكتور زهير سعود أحد أبرز المشاركين في ملتقيات القصة القصيرة جداً كتابة ونقداً؛ يقول: لم يكن هذا الجنس الأدبي مُرتهناً لعدد كلماته القليلة الذي وقع فيه بعض كتبته، فقد برزت فيه خصائصه وسماته التي أصبحت مثار جدل واسع في أوساط قراء ونقاد هذا الفن القصصي القائم على الرمز والإيحاء والجرأة والمفارقة، حيث أصبح لغة أدبية كاشفة لعمق ثقافة التعاطي معه من كتّابه والقراء في آن معاً، وقد ناسب التحولات الجديدة ونزوع الكتابة للتكثيف والاقتصاد والغموض الذي أنتج كشفه متعة النصّ.. وفي سورية؛ يُضيف سعود: ساهمت رابطة القصة القصيرة جداً، منذ تأسيسها سنة 2013 في تعزيز انتشار هذا الفن الكتابي، وشكلت مركز استقطاب ينمو باطراد ليضم عدداً كبيراً من كُتاب القصة، من الهواة والأدباء الذين اكتشفوا قيمة هذا الجنس الأدبي، وشرعوا يسطرون على صفحة الرابطة محاولاتهم الجدّية في صياغة هذا الفن الممتع والمُفيد، ويشاركون في المسابقات الدورية التي تجريها الصفحة لتعميق الخبرة وإبراز النصوص المُميزة التي تعقبها -في أغلب الأحيان- قراءات تجلي غموضها وتكشف إمتاعها وغاياتها.. هذا ما أسهم في خلق جيل جديد من كُتّاب وقراء هذا النمط السردي المُشبع بالرمزية والإدهاش والتخييل والمفارقات المتنوعة..
أهميّة الملتقيات
من الأعضاء النشيطين في الكتابة والتحكيم في مُسابقات القصة القصيرة جداً الكاتبة جمانا العامود التي وجدت قي أهميّة الملتقيات الأدبية؛ أنها تجمع عناصرها على الهواء مباشرة، وتقوم بعملية تدوير النسيج الثقافي، وتكون واسطة سريعة الإيقاع للكاتب المُعبّر عن واقعه من وحي المرحلة التي ينتمي إليها، فتلغي جميع الحواجز بين تغريداته وأذن متلقيه. تتجلى تلك العروة الأدبية التي تحض على التناغم والتفاهم الأثيري بين الطرفين. وتردف: كما نعرف أن الكاتب يحتاج عزلة الكتابة لتوثيق أفكاره وأخيلته على وريقاته. لكنه يحتاج أيضاً لقاءات يتعرف من خلالها إلى رفقاء قلمه. وهو بحاجة مُلحة إلى معرفة إلى أين وصل العمل الإبداعي على صعيد الساحة الأدبية، ومن خلالها يُمكنه تطوير ملكة الكتابة لديه. ذلك إن ظلّ وحيداً في دائرته سيبقى «رهين المحبسين»: وحدته، واجترار أفكاره.. ولاحقا سيرى نفسه في منفى، بعيداً عن التطور الخارجي. فهو بحاجة لإزاحة الستار عن قيمة ما وثقه سابقاً.
ولملتقيات القصة القصيرة جداً –في رأي العامود- دور مهم في استضافة ثقافات أخرى متنوعة، نتعرف فيها على الحركة الإبداعية في المسار نفسه. وهذه الأخيرة تُساهم في إثراء المشهد الأدبي المحلي، ما يدفع عجلة الحراك القصصي إلى الأمام في مزج الثقافات، وتخصصها تحديداً بهذا الجنس الأدبي المُتفرد يرفع من شأنه، ويدعم رواده فيساندهم في إثبات موجوديتهم، ومن ثمّ تكون محطة ربيعية لاحتضان جمهور يضم تفاوتاً في المستويات الثقافية، ونبتعد عن مقولة (القصة القصيرة جداً وجدت للنخبة)، وهذا يعود عليها بنجاح استراتيجيتها، وبناء جسور التواصل مع روح التذوق الجماعي. ولا نغفل دورها الكبير في تسليط الضوء على الأسماء المغمورة والجديدة.
إنها تظاهرة جديدة وشكل ومنجز جديدان يساعدان في ظهور حراك أدبي جديد غير مألوف، ويخرج عن منظومة بقية الملتقيات. ولاشك في أن هذا يجعل من القصة القصيرة جداً فناً أدبياً مستقلاً في حد ذاته. إضافة إلى أن وسائل الإعلام تساعد بالارتقاء بما تضمنته هذه الملتقيات، وتدعم أهدافها مع استقطاب أعداد جديدة من المهتمين والحاضنين لهذا الفن الأدبي الراقي.
مُعايشة تحولات الواقع
انطلقت نشاطات رابطة القصة القصيرة جداً من باحتها النظرية إلى أعمال ميدانية عبر الأنشطة التي حققتها بالتشارك مع هيئات حكومية وغير حكومية وذلك في ملتقيات أدبية، وتُعدّ اليوم للملتقى السابع في المركز الثقافي لمنطقة الشيخ بدر – يقول د. سعود- هذا الملتقى سبقته ملتقيات حدثت في أماكن عديدة وفي مختلف المحافظات السورية.. هذه الملتقيات حققت وتحقق العديد من الغايات المهمة في سبيل النشر والتفاعل مع هذا المنجز الأدبي، عبر إشراك النطق والصوتيات المسموعة للإلقاء والتي استوجبتها اللغة الشاعرية التي تكتب بها معظم النصوص في هذا الفن القصصي، إضافة للاحتكاك بالجمهور المتابع وخلق جوّ من الإلفة والتعارف بين الكتاب، والمشاركة في تفعيل حضور هذا الجنس الأدبي الخاص الذي واكب ميل التبدلات الثقافية العالمية الدارجة إلى العمق والاقتصاد اللغوي واختصار الزمن اللازم لتحقيق فكرة النص المكتوب والمقروء.

print