لا يمكن الكتابة عن الكتابة كأنها عالم سحري فقط من دون تحذير من يود دخول هذا العالم مما يجب أن يُحذّر منه وإلا عُدّ الموضوع «ورطة»، تزر فيها الوازرة وزر الأخرى، وتالياً علينا البحث عمّن ورطنا أولاً بهذا الفعل، وهذا لا يمكن البحث فيه، ولكن من أجل رفع المسؤولية لابد من التحذير.
ما هي محاذير الكتابة؟ ليس السؤال هنا بمعنى ما يجب أن تكتب وما يجب أن تحذر من الخوض فيه، لأنه يمكن الكتابة عن أي شيء ليصبح الكاتب أمام سؤال آخر «هل سننشر؟ أم سنئد أوراقنا في توابيت الأدراج وذواكر الحواسيب؟».
المقصود بالمحاذير الأمراض التي تسببها الكتابة أو التي ستورثها الكتابة؟ أقلها «شكلاً» انحناءة في الظهر، ولا نهاية لأكثرها على اعتبار تعدد وتغير أجهزة المناعة بين الكتّاب، لذلك ما يصح على كاتب قد لا يصيب كاتباً آخر.
مما يمكن أن تورثه الكتابة للكاتب إرثاً يشبه إلى حد بعيد «مد البصر» والسبب هو ما يشبه في الأسباب ما يصيب سائقي الشاحنات الذين يسافرون في الطرق الدولية والذين يكون المدى هو نصب عيونهم، كذلك يكون عند الكتّاب الذين يكون المدى نصب عيونهم من دون أن يغفلوا التفاصيل، لكنهم، وخاصة من يكتب في السرد والدراما، يظنون أنهم يعرفون كل شيء، وهذا بسبب معرفتهم كل شيء في نصوصهم التي يكتبونها، فينسحب ذلك على ظنهم أنهم يعرفون كل شيء في الحياة.
«مد البصر» ليس المرض الوحيد أو الإرث الوحيد الذي يأتي من الكتابة، ولكن لا يمكن الكشف عنه لعدم وجود أعراض له تسبقه كبقية الأمراض البيولوجية، وسواء قبلوا أو اعترفوا فيه أم لم يعترفوا، شعروا به أم لم يشعروا، احتكروه لأنفسهم أم رموا فيه بقية الناس، فإنه يبقى مما يجب أن يحذر الكتاب من الوقوع فيه بالحفاظ على المسافة التي يجب ألا تُختصر بين الذات والموضوع.
بين الذات والموضوع تضيع المسافات، كما عند الجميع – من يعمل وحتى من يلعب يحاول أن يقارب الحياة ككل وفق مهنته أو حتى وفق اللعبة التي يلعبها، فكيف سيكون الحال مع من يكتب الحياة أو يكتب عنها؟- ومن الصعب أن تجد الموضوعية سمة لأي مقاربة مع أي موضوع.
مع الكتابة تحديداً لابد من الإشارة إلى هذه المحاذير، ليس لجهة رفع المسؤولية فقط كما ورد في أول المقال، بل لأن كلمة السر للنجاح في الكتابة هي «قدّم تجربتك خالصة».
في الكتابة يختلط الذاتي بالموضوعي والسر في نجاح هذه الخلطة أو فشلها هو معرفة النِسب لهذه الخلطة والموازنة بينها، والتي قد تتطلب عدم الموازنة أحياناً!.

print