«سوريات صنعن المجد.. أم الشهيد» كان عنوان الندوة الأولى لوزارة الثقافة هذا العام، التي أقيمت في مكتبة الأسد الوطنية وأتت تكريساً لقيم الشهادة والشهداء بمشاركة أمهات قدّمن فلذات أكبادهن وأغلى ما يملكن دفاعاً عن الوطن. وتطرقت الندوة لتجارب حقيقية لأناس استشهدوا، من مدنيين وعسكريين، كرمى الدفاع عن كرامة البلد ووحدته، وجمعت كل من د.إنصاف الحمد والدة الشهيد خضر خازم والسيدة إلهام وسوف والدة الشهيد حسن عدنان ونوس وتولى إدارة الندوة د. اسماعيل مروة، وتغيبت عن الندوة عضو مجلس الشعب جانسيت قازان والدة الشهيد أنزور أباظة التي تعرضت لإصابات طفيفة نتيجة قذائف الغدر التي استهدفت مطار دمشق الدولي لدى عودتها من مؤتمر «سوتشي».
واستعرضت الندوة تاريخ الشهادة وأم الشهيد السورية ليس في هذه الحرب فقط بل منذ أن خلقت سورية، هذه الأم التي أخرجت رحمها لتنثره على حبل هذا الوطن، والتي تجلّت معانيه في أم الشهيد التي لم تنتظر منا أن نكرمها أو نغنيها بل أن نغنيها لنعطر حناجرنا، وأن نكتبها لنعطر كلماتنا، فأم الشهيد كانت نقطة البداية لأنها التي جمعت كل السوريين بلا استثناء. اسماعيل مروة أكد في بداية الندوة انحيازه للأم وللمرأة، لهذا آثر هذا العام أن يكون لبوساً مختلفاً، وأن يكون أنثوياً من بدايته إلى نهايته مستحضراً رقة المرأة وحيويتها وعذوبتها، عبر بصمة بعض السيدات السوريات اللواتي كان لهن حضور في مختلف المجالات الثقافية الفنية والأدبية.
ونوه مروة بأن هذا العام بكامله سيحمل عنوان «سوريات صنعن المجد» وليست أول ندوة فقط، وأنه تم وضع سلسلة من الأسماء الكبيرة مثل: «ألفة الادلبي، سامية المدرس، ليلى صباغ، عزيزة مريدن، لور دكاش، ماري عجمي»، أسماء تركت بصمة في التاريخ السوري والعربي.
آثر مروة أن تكون فاتحة هذه الندوات من خلال «أم الشهيد» ورأى أن الإبداع يتلاشى أمام أم الشهيد وبناء على هذه المرموزية اختارها أولاً فإذا أردنا أن نتكرم بالأمهات نتوجه لأم الشهيد وكيف استطاعت أن تكون بهذا التشاوف والعظمة، بعدها قدم نصاً لروح صديقه الذي استشهد في حرب تشرين التحريرية، وليؤكد على فكرة مهمة أن الشام العظيمة موجودة وأن أم الشهيد هي صاحبة المكانة الأسمى، وأن التضحية الأكبر عندما لا يكون الإنسان منذوراً للشهادة ويصبح شهيداً.
من جهتها، روت الدكتورة إنصاف الحمد تجربتها في الحياة باعتبارها واحدة من عشرات آلاف من أمهات الشهداء اللواتي خضن هذه التجربة المريرة، واستعرضت أهم المحطات المهمة في حياتها وكيف أرادت أن تكون ذات شأن من خلال الدراسات المتتالية والمواقع التي تبوأتها، ورغبتها الملحة في إثبات أن للمرأة السورية كامل الأهلية والمواطنة، وتستطيع القيام بكل المهام الموكلة لها، وأنها تجشّمت كل هذا العناء لتقول إن المرأة ليست زوجة وأماً بل لها أدوارها المهمة في الحياة.
وأنهت حمود حديثها قائلة: «أتمنى ألا يتحول فقداننا لأبنائنا إلى فعل انكسار، وعدت نفسي ألا يشاهد أحد دموعي وألا يشاهدني أحد إلا مرفوعة الرأس، وهو رفع بشهادته رأسنا جميعاً، والرحمة لجميع الشهداء ولكل أم فقدت عزيزها في هذه الحرب كرمى عيون الوطن».
السيدة إلهام وسوف والدة الشهيد حسن عدنان ونوس أكدت أنها ليست أم أول شهيد ولا ابنها آخر شهيد، وأنها منحت ابنها الشهادة وعندما منحها الشهادة منحها أن تقول هذا قرباني، ولفتت إلى أن جيشنا البطل مازال يقدم قوافل الشهداء كونه يقاتل ويبذل دمه للحفاظ على الوطن، والوقوف في وجه شذاذ الآفاق الراغبين في تدمير سورية، وهي واحدة من الأمهات اللواتي استشهد ابنها في حصار مشفى جسر الشغور عام 2015 بعد أن ترك دراسته ليلتحق بصفوف الجيش العربي السوري للوقوف بوجه الإرهاب، وعرضت بعض الوثائق للفترة التي سبقت استشهاده، وكتبت كتاباً بعد ارتقائه شهيداً بعام حمل عنوان «القربان.. رسائل من وإلى حسن»، فجرت كل آلامها وأحزانها وحاكت بطولة الشباب واستبسالهم لحماية هذه الأرض، وهي بصدد التحضير حالياً لكتاب جديد يحمل عنوان «القرابين» التي ستوثق من خلاله حكايا مجموعة من الشهداء ضمن مجموعة «أم الشهيد» التي تنتمي إليها.

print