كيفما نظرنا لإسقاط طائرة الـ«إف16» والصواريخ الصهيونية المعتدية على سورية يوم السبت الفائت، كنقطة تحول مفصلية في الصراع الدائر على أرض سورية من جهة، ومع العدو الصهيوني من جهةٍ أخرى، فإننا لا يمكن أن نعزله عن سياق التورط الصهيوني في الحرب على سورية منذ بدايتها، التورط بدعم العصابات المسلحة وتصميم خطوات رقصتها الدموية كدمىً متحركة على مسرح الجنوب السوري، والتورط المباشر في شن غارات جوية وصاروخية في الميدان السوري بشكلٍ عامٍ.
التدخل الصهيوني (والأمريكي) المباشر خلال الأعوام الأخيرة تصاعد بمقدار ما عجز وفشل التدخل غير المباشر، عبر الدمى والأدوات، في إحداث الأثر المطلوب، وبهذا المعنى، فقد عبّر في أحد جوانبه عن رجحان كفة الميدان لمصلحة سورية وحلفائها، ليظهر الصراع على حقيقته، كما كنا نقول منذ اللحظة الأولى، كصراعٍ مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، لا قصة «حرية، حرية، حرية»، ولا من يحزنون.  وبصفته تلك، فإنه ليس صراع سورية وحدها مع الطرف الأمريكي-الصهيوني، بل صراع الأمة العربية التاريخي معه الذي يتصدره اليوم محور المقاومة عملياً.
ومع مجيء تموز 2017، واتضاح مسار الأحداث حتى لأشد أعداء سورية ضلالةً، كرر وزير الحرب الصهيوني أفيغادور ليبرمان معزوفةً صهيونية مألوفة لطالما سمعناها من سياسيي الكيان منذ بداية الحرب على سورية، وهي أن «إبقاء الأسد في السلطة ليس في مصلحتنا الأمنية».  وفي تموز الفائت أيضاً، صرحت الحكومة الصهيونية عن عدم رضاها عن منطقة «تخفيف التوتر» في الجنوب السوري.  وفي تشرين الأول الفائت قال ليبرمان لموقع «والا» الصهيوني إن «الأسد يربح الحرب… ما يشكل نكسة لإسرائيل»، داعياً الولايات المتحدة في المقابلة نفسها لكي تكون «أكثر نشاطاً في الحلبة السورية».
العدوان الصهيوني المباشر على سورية كان في أشد لحظات الحرب عليها ظلمةً قد اتخذ أشكالاً أكثر وضوحاً وإلحاحاً باستهداف مواقع للجيش العربي السوري في الجنوب السوري، في إسناد عسكري مباشر للعصابات المسلحة، وباستهداف مرافق استراتيجية سورية أو قوى حليفة.  وقد تكررت الغارات الصهيونية بطريقة بات من الواضح معها أنها تستهدف «النيل من الروح المعنوية» لسورية وأنصارها قبل أي أهداف عسكرية، أو استفزاز سورية للانزلاق إلى معركة تقليدية مع العدو الصهيوني في غمرة عدوان عالمي شامل عليها يرعاه حلف الـ «ناتو» وتركيا والرجعية العربية، والعدو الصهيوني طبعاً.
لكن القيادة السورية، كما أثبتت بهدوء وثقة تاريخياً، ليست من النوع الذي ينجر للمصائد، إنما العكس هو الصحيح.  فكان لا بد من الصبر، ليجري العمل بشكلٍ حثيث على تغيير الظروف الميدانية في الساحة السورية التي سمحت للكيان الصهيوني بالتدخل أصلاً، بالرغم من الاستفزاز الصهيوني المتعمد والمتكرر، وعتب بعض المواطنين السوريين والعرب، وبالرغم من المزايدات الرخيصة على موقف سورية من قبل شخصيات بعضها أرعنُ وبعضها مضللٌ وكثيرٌ منها غارقٌ في التطبيع مع العدو الصهيوني أو يعيش على عطايا البترودولار الجانح نحو إقامة حلف مع الكيان الصهيوني ضد محور المقاومة.  وكان الأكثر وقاحةً بكل المقاييس من هللوا من عناصر العصابات المسلحة للغارات الصهيونية (والأمريكية) على المواقع السورية، فيا للعار!
لا بد من العودة بضع سنوات للوراء إذاً لنذكّر الذين زايدوا على سورية بقصة « الاحتفاظ بحق الرد» على الغارات أو القصف الصهيونيين، ولنقل للمنزعجين بصدق من المواطنين السوريين والعرب من البلطجة والعدوان الصهيونيين، إن الفرق بين سورية وغيرها أنها لم تكن تتذرع أو تماطل أو تتنصل من التصدي للعدوان الصهيوني بعد أن ثبت الآن بشكلٍ قاطعٍ أنها كانت تعد العدة عسكرياً لتجاوز آثار ما تعرضت له قدراتها الجوية من تخريب منهجي مدفوع صهيونياً، ولا سيما في الجنوب السوري، منذ بداية الحرب عليها، وبعد أن اتضح أن سورية كان عليها، لكي تتصدى للعدوان الصهيوني، أن تعيد بسط سيادة الدولة على الأرياف والمدن والبلدات التي استشرت فيها آفة الإرهاب والتكفير والعصابات المسلحة، أو على جزءٍ معتبرٍ منها، لأن ظروف الفوضى وكثرة اللاعبين والمتدخلين وتفشي الإرهاب وانحسار سيطرة الدولة عن بعض المناطق، هو ما سمح للكيان الصهيوني أن يبدو كأنه مجرد لاعبٍ إضافي يقوم بعرض جانبي لتحقيق أهداف أمنية محدودة مثل «منع تهريب الصواريخ لحزب الله»، لا الطرف الرئيس المعني بإضعاف سورية وتفكيكها.
الكيان الصهيوني حاول أن يبدو كأنه «ضحية» الفوضى والإرهاب اللذين لعب دوراً رئيسياً في إنتاجهما، ومن هنا كان لا بد للدولة السورية من أن تسحق الفوضى والإرهاب أولاً لكي تكون الدولة السورية وحلفاؤها في موقفٍ أقوى وأكثر ثباتاً يمكنها من التصدي للعدوان الصهيوني المتكرر، وثانياً لكي يظهر العدوان الصهيوني لكل متعب من الحرب وآثارها على حقيقته كاستهدافٍ مباشرٍ للدولة السورية يتمم استهدافها بشكلٍ غير مباشر عبر إثارة الفوضى والإرهاب، فلا يظهر فتح معركة مع الكيان كأنه انجرار غير محسوب للاستدراج…هنا لا بد من ذكر أمرين، أولهما أن عدم رد سورية على العدوان بشكل مباشر لا يعني أنها لم ترد بطرقٍ أخرى، وها هو دم الشهيد القائد المقاوم سمير قنطار، ودم الشهيد جهاد عماد مغنية ورفاقه، عماد مغنية الذي نعيش ذكرى استشهاده العاشرة هذه الأيام، يشهد على أن سورية وحزب الله الشريك في محاربة الإرهاب في سورية لم يتوقفا لحظة، في أشد لحظات الحرب على سورية حلكةً، عن التفكير بمقاومة العدو الصهيوني.  وذلك هو الفرق بين سورية وغيرها.
الأمر الآخر طبعاً هو أن الغارات الصهيونية باتت تستهدف سورية من الأجواء اللبنانية أو من جهة الجولان، ما شكل معضلة (مؤقتة) بالنسبة لسورية من ناحية ما كان سيبدو كأنه استهدافٌ للطيران الصهيوني خارج الأجواء السورية في ظرف تخوض فيه سورية معارك ضروساً على أرضها ضد التكفير والإرهاب المدعوم خارجياً… ومن البدهي أن ما سهّل الاستهداف الصهيوني للمواقع السورية في محيط دمشق تحديداً هو اتفاقية سايكس-بيكو، أي قرب العاصمة الشامية الجغرافي من لبنان والأردن وفلسطين المحتلة أكثر بكثير من قربها من معظم المحافظات السورية شمالاً وشرقاً، لأن دمشق تتوسط بلاد الشام، فهي عاصمتها التاريخية، بالرغم من سايكس-بيكو، لا قلب العروبة النابض فحسب.
المهم أن نقطة التحول بانت في آذار 2017 عندما استهدفت الدفاعات الجوية السورية طائرات صهيونية فوق الجولان كانت متوجهة للقصف داخل سورية، واعترف الكيان الصهيوني بالغارة، وبالرد السوري، ولكنه أنكر إصابة طائرتين صهيونيتين فيها.  وكانت تلك لحظة مفصلية.  وفي صبيحة يوم 16 تشرين الأول 2017 استهدفت الدفاعات الجوية السورية طائرات صهيونية فوق لبنان قال الصهاينة إنها كانت في مهمة استطلاعية قرب الحدود السورية.  وفي 2 كانون الأول 2017 أسقطت الدفاعات الجوية السورية صواريخ صهيونية استهدفت موقعاً عسكرياً سورياً قرب الكسوة جنوب دمشق.  وفي 7 شباط 2018 تم إسقاط الصواريخ الصهيونية التي استهدفت موقع جمرايا غرب دمشق من الأجواء اللبنانية… وصولاً إلى 10 شباط 2018 وإسقاط الـ«إف -16» الصهيونية، وهو الحدث الراهن الكبير عسكرياً وسياسياً ومعنوياً، وأجمل ما في الأمر أن وسائل الإعلام الغربية تتحدث عن «هجوم إسرائيلي شامل» على المواقع السورية بعد إسقاط الـ«إف -16»، في محاولة لإظهار الكيان كأنه الطرف مالك زمام المبادرة، من دون أن تذكر أن ذلك الهجوم، بالصواريخ، فشل، وأن معظم تلك الصواريخ الصهيونية تم إسقاطها أيضاً!
العبرة هي أن أهم ما في إسقاط الـ«إف-16» الصهيونية، وإصابة طائرات أخرى لم يعترف العدو الصهيوني بها، أنه لم يأت نتيجة عوامل ظرفية، تظل على أهميتها أقل شأناً من العامل الأهم وهو تطور الأحداث على الساحة السورية بالمجمل لمصلحة الدولة السورية وحلفائها، وتوفر الإرادة الأصيلة والقرار الثابت والاستراتيجية الحصيفة لمواجهة العدوان الصهيوني.  فالنصر الذي وصلنا إليه اليوم هو نتاج إعداد الأمس، ونضيف: هذه مجرد بداية الرد العربي السوري، بصواريخ قديمة نسبياً، ذوداً عن سيادة سورية، وثأراً لسمير قنطار، ولأحمد نصر جرار.

::طباعة::