لما تحدثنا مراراً عن مسألة تعقيد الواقع بوصفها مسألة منهجية في مقاربة كل الموضوعات التي لها صلة بالواقع فهي أجدى في مسألة الحرب بوصف هذه الأخيرة من أعقد القضايا الواقعية في العلاقات الدّولية..
في سورية اليوم غلب منطق الواقع على أحلام اليقظة السياسية الإقليمية والدولية وحتى تلك التي تنامت خلال سبع سنوات في ذهن «معارضة سورية» خارجية مقصوفة الرقبة وغير وطنية أسست في عواصم أعداء سورية: أعداء موقعها ودورها الجيوسياسي..
لقد جرى في الواقع منطق آخر، جدل الواقع الذي غير مسارات الأحلام..وحلم واحد هو الذي بدا في طور التحقق لأنه حلم لم ينشأ في كواليس التآمر بل لأنه حلم ارتبط بالأرض وبمنطق الكفاح الوطني: الحلم بسورية مستقلة وذات سيادة ومنتصرة.. كلّ هذا الصمود الذي أبدته سورية قيادة وشعباً وجيشاً لا بد له من ثمن لا يقلّ عن النصر.. أما زمانية النصر فهي مشروطة بجملة من تعقيدات الواقع التي قد تكون من وجهة نظر تاريخية هي تكلفة إعادة ولادة سورية عظمى.. اليوم سوتشي هي فرصة لمن ما زالوا هائمين في أحلام اليقظة يحاولون أن يتفاوضوا مع سورية منتصرة..
في المقابل، كان التشويش وما زال يرافق كل مبادرة حتى لو أظهرت فيها سورية بعض المرونة، وهي مرونة تظهر أنّ سورية واقعية في سياساتها وتمتلك وسائل هذه القوة الواقعية لكونها دولة قوية.. فالمرونة هي خاصية الدولة القوية.. الميليشيات الإرهابية تسقط طائرة روسية ما يؤكد وجود رسالة إلى سوتشي من قبل واشنطن التي وصلت أسلحتها المتطورة إلى يد الجماعات المسلحة.. في هذا الوقت بدل الضائع من محاولات الحل السياسي هناك حرب تخاض داخل سورية وفي أراضيها كتلك التي تقوم بها تركيا وتستهدف من خلالها المدنيين..
لا أحد اليوم يبكي على الشعب السوري حين يتعلق القصف بالأتراك..أمّا الإخوان المسلمون ومن داخل مزعومة «الجيش الحر» فهم اختاروا القتال إلى جانب أردوغان.. فالحرب حينما اتسعت واستطالت أظهرت حقيقة الأشياء، وهي أنّ سورية واجهت خلال هذه السنوات حرباً جبانة لم تكشف عن أهدافها الحقيقية للرأي العام، بل قدمت على أنها حرب من أجل «الربيع العربي»..
.. وفي نهاية المطاف لم يفعل ترامب سوى أن بعثر الأوراق ليظهر المستور وهو أنّ أمريكا تبحث عن تحرير الأسواق لا تحرير العرب، لو كانوا أذكى من هذا الحدّ لتركوا سورية بعد فناء كل العرب، ولكنهم استعجلوا المؤامرة على سورية فخانهم التاريخ والجغرافيا.
كاتب من المغرب

طباعة