استيقظ العالم يوم 10 شباط 2018 بين مصدق ومكذب لخبر إسقاط طائرة إسرائيلية من طراز «إف16» بوساطة الدفاعات الجوية السورية. لعل من يعرف سورية جيداً لم يصب بالدهشة، فرغم كل ما أصابها لم تتخلّ سورية يوماً عن موقفها من الصراع مع العدو الصهيوني، بل إنها تنظر إلى الأزمة التي فرضت عليها منذ سبع سنوات، على أنها مرتبطة إلى حد كبير بمواقفها السياسية وفي صدارتها موقفها من الصراع العربي- الصهيوني.. لكننا كعرب وسوريين نستحق تلك الفرحة التي غمرتنا ونحن نستمع إلى الأخبار، ونتابع صور الحطام وحالة الذعر التي اجتاحت الكيان الصهيوني. ردة فعلنا اتسمت بحماس من ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات، فقد أرهقنا«ربيع» الصهاينة، وأثكلنا في كل من نحب وما نحب لذلك بادر مواطنون في دمشق وعمّان وبيروت والقاهرة إلى توزيع الحلويات فرحاً بهذه اللحظة، التي نحب أن نعتقد أنها لحظة مفصلية، سيكون ما بعدها لا يشبه ما قبلها.
لكن وبعيداً عن الفرحة، لا بد من أن تبقى أقدامنا على الأرض، وأن ننظر إلى ما حدث بعين السياسي، ليس لأننا نشك ولو لحظة في نية قيادة سورية أو جيشها ولكن لأننا مطالبون بتقييم الوقائع كما هي وليس كما نتمنى فالمواجهة هذه المرة كانت مع العدو الأصيل وليس مع وكلائه على الأرض السورية أو في الإقليم، لذلك فهي محملة بالدلائل والرسائل التي ستفصح عن نفسها بالتدريج خلال الفترة القادمة، لكن بعض الدلائل الباكرة يمكن قراءتها من وحي عبقرية اللحظة التي تم فيها اختيار توجيه هذا الرد المزلزل على العدوان الصهيوني، ومن هذه الدلائل:
أولاً: لا يمكن النظر إلى القرار السياسي بالرد بقسوة على الغارة الصهيونية، بعيداً عن مجموعة من التطورات التي حدثت في الفترة الأخيرة، المقصود هنا الغارة الأمريكية على منطقة في دير الزور، ومحاولة القصف الصهيوني لمنطقة جمرايا في ريف دمشق، والتحرش بلبنان سواء من خلال بناء الجدار الفاصل على حدوده الجنوبية، أو الادعاء «بملكية إسرائيل للبلوك 9» من المنطقة الاقتصادية في المياه الإقليمية اللبنانية. لقد جاء الرد اللبناني صاعقاً، عندما اعتمد شكلاً عسكرياً تضمن التهديد المباشر سواء من خلال تكليف الجيش اللبناني بالتصدي لأي محاولة اعتداء على المجال الحيوي اللبناني، أو تهديد المقاومة بقصف منصات الغاز الإسرائيلية في البحر الأبيض المتوسط. ويدرك أي متابع أن مثل هذا الرد اللبناني ما كان ليصدر من دون استشارة سورية ومباركتها، وفي السياق ذاته يأتي إسقاط الطائرة الإسرائيلية ليكون رداً ثانياً، وحصيلة الردين تقول إن محور المقاومة تجاوز مرحلة الدفاع السلبي القائم على استيعاب العدوان ومحاولة منعه، إلى مرحلة الدفاع الإيجابي حيث يوقع الخسائر في القوات المعادية ويخلق حالة من الردع.
ثانياً: استعمال منظومة صواريخ قديمة يصب أولاً في مفهوم الردع، ويرسل ثانياً رسالة مفادها أن الرد كان ممكناً عسكرياً دائماً ولم يكن يحتاج منظومات صواريخ أكثر تطوراً، ولكن الامتناع عن الرد، أو الاحتفاظ بحق الرد كان خياراً سياسياً، تجنباً للوقوع في فخ مواجهة مفتوحة مع العدو الصهيوني في وقت غير مناسب يؤدي إلى تجيير نتائجها لمصلحة التنظيمات الإرهابية على الأرض، كما أن هذه الصواريخ التي يملكها الجيش العربي السوري منذ منتصف الثمانينيات تشير إلى أن قرار الرد كان سورياً خالصاً وربما كان هنالك تنسيق مع جميع الحلفاء، لكن القرار سوري وهي رسالة تحرص القيادة السورية، من حين إلى آخر، على إرسالها في المجالين السياسي والعسكري.
ثالثاً: بناء على ما سبق، نستطيع الخروج باستنتاج مفاده أن الجيش العربي السوري بات في وضع مريح عسكرياً على الأرض في مواجهة التنظيمات الإرهابية وأن هذا الوضع المريح يمنحه الثقة والقدرة على التصدي لأي طرف يعتدي على السيادة السورية، مع القدرة على تحمل نتائج هذا التصدي. هذه الرسالة لا بد من أن تجد أصداءها لدى الولايات المتحدة الأمريكية وتركيا، والدول الإقليمية التي تشارك في المؤامرة على سورية.
رابعاً: إن النظرة الشاملة لما يحدث، تؤكد أن ما قالته سورية والمقاومة عن وحدة الجبهات لم يكن شعاراً عابراً مرتبطاً بمرحلة من مراحل المعركة، بل إنه خيار استراتيجي تمتد أطرافه من طهران وحتى الناقورة. لقد جاءت ردود قوى المقاومة على ما حدث لتثبت أن العمل على تحقيق هذا الخيار جار على قدم وساق إدراك هذه الحقيقة هو ما دفع حكومة الكيان الصهيوني إلى الحديث مع جهات دولية للتعبير عن عدم رغبتها في تفاقم الأحداث، وتناولت محادثاتها مع هذه الجهات الدولية الجبهتين السورية واللبنانية باعتبارهما جبهة واحدة. كما ركز الإعلام الإسرائيلي على القلق من غزة في الجنوب، ومن تصاعد العمليات الفدائية في الضفة الغربية.
خامساً: اعتقد البعض أن استعمال صواريخ من طراز قديم نسبياً، يشير إلى أن روسيا «لا تدعم» خيار التصدي السوري للغارة الصهيونية، لكن البيانات الروسية تلاحقت لتؤكد دعمها لحق سورية في الدفاع عن سيادتها وأرضها، وعدّ تعريض حياة الجنود الروس للخطر أمراً مرفوضاً، وهو تصريح يعني من جملة ما يعنيه أن روسيا تدعم الخيارات السيادية السورية وأنها قد لا ترفض فكرة مساعدة سورية بشكل مباشر أو من خلال منظومات صواريخها مستقبلاً.
نتنياهو وترامب وحلفاؤهما من عرب الردة في مأزق، لقد جاء الرد السوري ليضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانكفاء والاكتفاء بالتهديد والوعيد من دون اتخاذ خطوات حقيقية على الأرض، وهذا الخيار سيجير سياسياً وإعلامياً لمصلحة قوى المقاومة وفي مقدمتها سورية، وإما الخيار العسكري المفتوح على جميع الاحتمالات الذي لابد من أنه سينطوي على خسائر لا تستطيع حكومة نتنياهو تحملها على الصعيدين المادي والسياسي. ويشير تأجيل اجتماع المجلس الوزاري الصهيوني، وطبيعة الاتصالات التي قامت بها «إسرائيل» مع القوى الدولية إلى أن «إسرائيل» تميل إلى الخيار الأول، ولو مؤقتاً، لكن الكثيرين يرون في هذا الخيار انتحاراً سياسياً للكثير من القيادات والعواصم تتجاوز تل أبيب لتصل إلى الرياض والدوحة وأبو ظبي وعمّان، وأن الأثر النفسي يمكن أن ينعكس إيجاباً على المقاومين داخل فلسطين، ويعطيهم الدافع للقيام بالمزيد من العمليات النوعية التي تؤرق الجبهة الداخلية الإسرائيلية.
بعيداً عن الفرح، مرة أخرى، نحن ندرك تماماً أن محور المقاومة ليس في وضع يسمح له الآن باستدعاء حرب مفتوحة مع الكيان الصهيوني، فالمعركة ضد الأدوات الإرهابية التكفيرية مازالت دائرة على أرض سورية، بل إنها تدخل مراحل حاسمة تنطوي على إيقاع الهزيمة النهائية بهذه القوى، وندرك أن علينا إبقاء أعيننا مفتوحة على رد الفعل الأمريكي الذي قد يتدخل لحفظ ماء وجه حلفائه، وكذلك تنظر الولايات المتحدة بعين الريبة إلى ما يمكن أن تحققه روسيا وإيران من مكاسب نتيجة انكماش الخيار الصهيوني، بعد تراجع إمكانات «التفوق» الجوي الإسرائيلي، لذلك فإن الولايات المتحدة يمكن أن تندفع نحو ضربة عسكرية محدودة، بعد تقدير مواقف جميع الأطراف.
ماذا لو تم إسقاط طائرة أمريكية؟ لاشك في أن هذا السؤال سيطرح على الرئيس ترامب ووزير دفاعه إذا ما فكروا بشن ضربة  عدوانية على سورية، ولا شك في أن هذا الاحتمال يمكن أن يلجم خيارات ترامب العسكرية كما حدث مع نتنياهو.
قد نكون اليوم، أمام لحظة تطلق شرارة ربيع عربي حقيقي، تتصدى فيه قوى المقاومة للعدو الأصيل بشكل مباشر، وتعيد الاعتبار لعروبة الصراع مع هذا العدو، لكن هذا الربيع المأمول يتطلب من أحرار العرب في كل ساحات الوطن الكبير الاشتباك مع العدو وأدواته والتصدي للتطبيع، المقاطعة، توجيه الضربات للعدو عند توافر الإمكانات، والوقوف إلى جانب محور المقاومة.. لقد تعلمنا من سورية بقيادتها وشعبها وجيشها درساً قيّماً مفاده أن النصر ممكن وأن مستقبلنا مازال في أيدينا.
كاتب من الأردن

طباعة