يُعدّ شعرنا العربي القديم وثيقة تاريخية، وسجلاّ ثميناً للصور المتعدّدة التي التصقت بـ (الآخر) بعد أن جعلته مجرّد (آخر) يدخل في صميم التناقض مع فكرة الذات. ولا تتأتى أهمية التفكير بمسألة الآخر من ضرورات الاعتراف بالآخر، والاعتراف بحقّه في الاختلاف، وممارسة الندّية، بل تتأتى أيضاً من اعتماده سبيلاً لاستعراف الذات التي قلّما نستطيع استعرافها في معزل عن نقيضها الآخر الذي ينظر من موقعه (الآخري) إلى الذات الناظرة بوصفها (آخر) محمّلاً بكل ما يجعل الآخر آخر.
في شعرنا الجاهلي المؤسس لمجمل الأنساق الثقافية العربية اللاحقة، كان الآخر هو الآخر القبلي مقابل الأنا الجمعي، هو أنا القبيلة المتمركزة حول ذاتها، وفضائلها المدّعاة، والآخر المعرّى من الفضائل هو ابن القبائل الأخرى. مع التنبّه إلى أنّ التمركز حول الذات القبلية لم يكن هو الأساس الوحيد، لقد كان الأساس الأكثر انتشاراً ورسوخاً، لكنه لم يكن الوحيد، فقد زخرت الحياة الجاهلية بشخصيات جليلة عابرة للقبائل، وكان احترامها وتبجيلها محطّ إجماع قلّما يحيد عنه أحد. وهذه الشخصيات هي التي تحوّل بعضها إلى مضرب للمثل في ميدانه الذي مكّنه من تجاوز الشرط القبلي إلى عموم أبناء المنطقة العربية كـ (حاتم الطائي، والأحنف بن قيس، وقسّ بن ساعدة، وذي الإصبع العدواني) على سبيل المثال. ولا يفوتنا في ذلك العصر أن الآخر تمثّل أيضاً خلال مجريات ذي قار بالآخر غير العربي، وهو ما بدا جليّاً في إحدى قصائد الأعشى الكبير «وجند كسرى غداة الحنو صبّحهم/.. لو أن كلّ معدّ كان شاركنا/ في يوم ذي قار، ما أخطاهم الشرفُ»، ومع ذلك، لم يستطع الشاعر أن يتخلّى عن أناه القبلية تخلياً كاملاً حتى وهو في مواجهة الآخر غير العربي عندما جعلَ قبائل (معدّ) تعني جميع العرب.
في صدر الإسلام تجسّدت فكرة الآخر في (الكافر) الذي رفض اعتناق الدين الجديد، مع التذكير بأنّ مجريات المعارك الشعرية المواكبة للمعارك العسكرية في عهد الرسول لم يكن الآخر المتّهم بالكفر منزعجاً من التهمة، ولذلك لجأ الشعراء المسلمون أنفسهم إلى اعتماد المهاترات القبلية القديمة في معاركهم ممثّلين بحسان بن ثابت الذي فاخر بأصوله اليمانية في مواجهة قريش المنتمية إلى معدّ: «لنا في كل يوم من معدّ/ قتال أو سباب أو هجاءُ». تبدّدت ثنائية المؤمن والكافر خلال المرحلة الأموية، وصار فيها الآخر هو الآخر القبلي على غرار الجاهلية، ثم تمثّل الآخر بالخصم السياسي ضمن الخريطة السياسية المستجدة، وكان لكل حزب شعراؤه المنافحون عنه والرامون سواهم بمختلف صفات التدنية الآخرية.
في المرحلة العباسية، وإطلاق (رحلات الاستكشاف الجغرافي) إلى أقاصي الأرض، ممثّلة ثقافياً برحلات السندباد في (ألف ليلة وليلة) تعقّد الأمر، والتبس الأنا بالآخر البعيد بكل المقاييس، بما فيها المقاييس الثقافية، وانفتحت الدولة على ثقافات الأمم الأخرى، ومع ذلك لم تغب صورة الآخر عن المشهد ذي التعقيد الشديد، فكان الآخر في البداية هو الآخر الأموي، وفي أحيان أخرى هو الآخر المذهبي، أو هو الآخر الزنديق، أو هو الآخر المنتمي إلى الطائفة الأخرى، أو هو الرومي/البيزنطي.. إلى آخر ما هناك من تعقيدات ظلت ماثلة إلى الزمن الذي سقطتْ فيه الخلافة العباسية الشكلية في القاهرة على أيدي الأتراك العثمانيين الذين أسسوا خرائط جديدة لمفهومي الأنا والآخر، معتمدين التفرقة الدينية والطائفية أساساً في منظومة الأنا والآخر، بالتوازي مع منظومة طبقية ذات بناء هرمي، يتربّع على رأسه التركي الطوراني، وبقية أصحاب الامتيازات الإقطاعية والمالية والعسكرية وألقاب النبالة التركية، مقابل السواد الأعظم من الشعب، الذي خضع في خواتيم المرحلة العثمانية إلى ثنائية التركي والعربي، هذه الثنائية التي أطلّت برأسها في مجريات أزمتنا الراهنة التي فُجعنا بها، وخلالها، بوجود سوريين يقبلون الانضواء الوقح تحت الراية العثمانية التركية الصرف، وسواها من الرايات المتّسخة بما في ذلك رايات الغرب والصهيونية.

::طباعة::