بعيداً عن التنظير فإن وضع النفس مكان قيس وميساء وغيرهما من شباب مقبل على الزواج وبناء أسرة سليمة صحياً ونفسياً واجتماعياً، ليس من السهولة بمكان امتلاك القدرة على حسم قرار الانفصال بعد خطبة دامت سنوات عاش خلالها الخاطبان قصة حب تفوق بواقعية وحقيقة مشاعرها وأحداثها كل ما يمكن أن تبتدعه أقلام شعراء الغزل أو توثقه عدسات كاميرات الأفلام العاطفية، فلا يمكن إنكار أن للعشرة بين قلبين سلطانها، حالها كحال الذكريات تلهب مخيلة أصحابها  كلما لاح أمامهما طيف مكان وزمان جمع بينهما.
إلا أن استراق مشاعر الأبوة والأمومة للحظة ما  قبل  اتخاذ قرار عدم الانفصال والاستسلام لحكم  «الهوى غلاب» كفيل بالتراجع خلفاً عن اتخاذ ذلك القرار، إذ تكفي زيارة واحدة قبل إتمام الزواج إلى المركز الوطني للتلاسيميا، والاطلاع على معاناة الأطفال هناك، فإبر الدم تغرز بوابل من الألم أفئدة الأطفال قبل أوردتهم، فلا تسمع هناك إلا صدى آهات يعتريها الوجع، ولا ترى إلا وجوهاً بريئة خطف فقر الدم رونقها وألقها المعتاد، فلا يغيب عن العين مشهد بيلسان الطفلة التي التقيناها في المركز المذكور، تحمل كيس الدم الموصول بوريدها وعيناها المقهورتان ترصد من النافذة مجموعة من الأطفال يلعبون الكرة في الحديقة المحاذية للمركز.
التمعن للحظة بتلك العينين، من شأنه أن يغلب سلطان العقل على العاطفة،  والحسم بعدم الزواج، فنعمة النسيان التي منّ الله بها على البشر كفيلة أن تنسي الإنسان ثلة من المشاعر والذكريات، إلا أنها تعجز في الوقت نفسه أن تجد لنفسها طريقاً في مخيلة طفل تذكره أعراض المرض وآلامه كلما دقت ساعة العلاج بلا شفاء كلي مأمول.
قد تكون سلطة تلك العينين تفوق قدرة القانون على حسم منع الزواج وقد تمتلك القدرة على الإطاحة بتلك النظرة المجتمعية الخاطئة لفسخ الخطوبة وعدم إكمال زواج من شأنه أن يطفىء نار الهوى بين قلبين رفضا الافتراق إلا أنه يوقد الرماد لنار أخرى أشد عذاباً ولهيباً، نار يشعل فتيلها آباء وأمهات كتبوا بأيديهم الشقاء على أطفالهم مدى العمر، أليس من الحب ما قتل؟!.

طباعة