من المسلّمات الاقتصادية أن الصناعة قاطرة النمو، ولديها مساحة واسعة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي، وهذه حقائق لا يمكن تجاهلها يعلمها القريب منها والبعيد، لكن وجهات النظر إليها تعدّدت وكثُر الدارسون والباحثون فيها والمشخصون لمشكلاتها، وخرجوا بنظريات وحلول تناولت واقعها الفني والبشري والمادي، لكنّ ذلك لم يغير من واقعها شيئاً، وما حصل من تغيير مرتبط بمبادرات فردية لبعض الإدارات سمحت لها الظروف والإمكانات بتحقيق بعض النجاح تأثيره لم يتعد حدود محيطه المكاني.
لكن ذلك لم يمنع أهل الرأي والسلطة في القطاع الصناعي والمسؤولين عنه من الدخول لعمق المشكلات والبحث في الحلول، وخروجهم بنظريات متعددة ووجهات نظر مختلفة، تحت عناوين إمكانية تطبيقها مرهونة بظروف كل مشكلة.
لكن ذلك لم يترجم على أرض الواقع حتى تاريخه على الرغم من توسيع دائرة الصلاحيات وإصدار مراسيم وتعاميم حكومية تطلق اليد في تحسين الإنتاج الصناعي وتطويره وتأهيل كوادره، وهذه الحلقة كانت موجودة في المراحل السابقة ومازالت، لكنها فقدت الكثير من معانيها بسبب الخوف والهروب من المسؤولية بصور مختلفة تحمل في مضمونها تقاذف الاتهامات بالتقصير، ولاسيما خلال الأزمة الحالية التي عدّها هؤلاء شمّاعة حملت أخطاءهم وخوفهم من تحمل المسؤولية، وهذا بدوره أدى لفرز مجموعة تناقضات ليست وليدة الظروف الراهنة، وإنما مبنية على مجموعة تجارب سابقة كان القطاع الصناعي حقل تجاربها، نذكر على سبيل المثال تجربة الإدارة بالأهداف التي طبقت في سنوات ما قبل الأزمة الحالية وفي ظروف أفضل، حالفها بعض النجاح، لكن ذلك لم يعجب بعض أصحاب الرأي والمنظرين في الصناعة فمات النجاح وأهله..!
وابتدعوا فكرة تشكيل المجالس والهيئات الاستشارية، ومجالس إدارات المؤسسات لتقديم النصح والمشورة ومساعدة الشركات لتحسين واقعها ونوعية إنتاجها، فما كانت إلا صوراً جديدة للتعقيد والروتين، وزيادة في فرص الهدر وغير ذلك كثير..!
والمشكلة أن ذلك استمر خلال سنوات الأزمة، حيث تم إعداد مئات المذكرات والدراسات، وروايات إعادة الهيكلة، ومجلدات من المقترحات للحلول الفنية والإنتاجية وتأمين الكوادر البشرية، لكن من دون أي تغيير في الواقع أو إحداث خرق في معضلة صناعية..!
وما نخافه اليوم أن يعيد رأس الهرم الصناعي ترتيب البيت الصناعي بالطلبات والتوجيهات وإعداد الدراسات نفسها، وإصدار جملة من التعاميم والبلاغات التي تقيد العمل وتزيد من فرص الروتين والمراوحة في المكان، بدلاً من معالجات فورية حاسمة تعيد الألق للصناعة الوطنية.!!
Issa.samy68@gmail.com

طباعة