يرصد الكاتب التونسي هادي يحمد في كتابه «كنت في الرقة» (دار نقوش عربية- تونس) الحياة في مدينة الرقة وغيرها من المدن السورية، في ظل هيمنة أصحاب الرايات السود على هذه المدن، وهو أيضاً استرجاع للنشأة والطفولة والمراهقة، قبل أن يصبح مقاتلاً في «تنظيم الدولة الإسلامية» .
إنها رحلة طويلة من الأعمال الإرهابية والقتل الأعمى، منذ صعود أبي بكر البغدادي على منبر الجامع الكبير في الموصل وإعلان دولة الخلافة عام 2014 في رمضان، هذه المجازر زادت حيرة العالم واربكت النخب والباحثين.
نحن أمام تجربة نادرة وخاصة أنها حكت التجربة من دون أسماء مستعارة، شهادة من الداخل تسفر عن وجهها وتعطي هويتها كاملة، وتتحدث بحرية عبر الأمكنة والأزمنة، إنها قصة شاب تونسي من بين أكثر من ثلاثة آلاف شاب ذهبوا وانخرطوا إلى جانب تنظيم «داعش». ويروي لنا محمّد الفاهم تفاصيل حياته في الرقة وفي مدن سورية، وسيروي لنا تفاصيل لم تحك من قبل، عن مسار هجرته السرية من تونس مروراً باسطنبول ووصولاً إلى تل أبيض في سورية، يتحدث إلينا عن العلاقات بين المقاتلين، والمهاجرين، وعن تطبيق الحدود، وعن الهرمية التنظيمية، وعن الأمراء والجنود، وعن الدواوين، كما يحكي لنا عن «الغزوات» والحروب التي خاضها.
إنها قصة الهروب من الدولة إلى ما بعد الدولة بحثاً عن معنى جديد للحياة.
يبدأ الحديث عن مدينة «منبج»، وكان يسكن في وسطها، قادماً من الرقة، مهاجراً جديداً، إلى الدولة، إنه زمن المهاجرين الوارثين الذين تركوا كلّ ما يملكون في أوطانهم الأصلية من أجل الاستيطان في دولة الإسلام «التي لا يظلم فيها أحد»، وقد حلّ محلّ السوريين الذين غادروا ديارهم مهاجرون تونسيون وأزبك وطاجيك وصينيون وأوروبيون، كانوا يتحدثون عن حياتهم الجديدة
كانت المدينة معرضة للقصف من قبل طيران التحالف، فيما كانت «قوات سورية الديموقراطية» تتقدم نحو المدينة بعد سيطرتها جنوباً على سد تشرين الذي سمته الدولة باسم الفاروق، وفي الأشهر الأولى للدولة، كنت تسمع في «منبج» الأصوات العربية بمختلف اللهجات، وتختلط بلغات أخرى أوروبية، وروسية وصينية، كانت مدينة صغيرة تجمع أشتات المهاجرين من كلّ أصقاع الأرض,
دكاكين بيع السلاح تنتشر في كلّ مكان تسيطر عليه الدولة، وتباع فيها مختلف الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، لم تغير الدولة من وضعية هذه الدكاكين لكنها أخضعتها للرقابة من قبل ديوان الحسبة، وبسبب رغبته في إتمام عملية البيع بسرعة، استغل تاجر السلاح حاجته، فاشترى السلاحين بألفي دولار.
بعد بيعه قطعتي الكلاشينكوف، اتفق مع المهرب على نقلهم إلى تل بطال في الريف الشمالي لمدينة حلب، وسيقولون إنهم ذاهبون لخطبة إحدى الفتيات (العوام)، وسيكون هو العريس المنتظر، ونظراً لكونهم يرتدون البزات العسكرية فإن مرورهم بالحواجز لم يكن يلفت الانتباه.
عبروا مدينة الباب، وباقترابهم من قرية تل بطال نقد المهرب ألف دولار عن كلّ شخص، وقضوا ليلتهم في بيت المهرب، وفي الصباح حلقوا ذقونهم ونزعوا بزاتهم العسكرية، وانطلقوا في الحقول غير المزروعة بالألغام، ثم وصلوا إلى دابق حيث تذكره القرية بدماء الرعب، وكيف أنه اختنق برائحة البارود، ومشى على بقايا الأشلاء الآدمية.
ويعود بذاكرته إلى يوم وصل إلى مدينة إسطنبول، حيث نزل في مطارها، لم يمرّ يوم واحد، في تلك الفترة، من دون وصول شبان تونسيين إلى مطار إسطنبول ووجهتهم الشام، كان طريقاً مفتوحاً للمهاجرين عامّة وللتونسيين خاصة نحو غازي عنتاب وأورفة وأنطاكية وغيرها من المدن التركية، ويقضي ليلة عند أم المجاهدين ثم يلتقي في مسجد «الوالدة السلطانة» بأربعة من الجزائريين، يقودهم سوري، ومن ثم إلى أورفة، ووصلوها بعد 12 ساعة، وهناك يأتي من يأخذهم إلى المضافة، ويلتقي مع مجموعة من المجاهدين، وتأخذهم سيارة ذات دفع رباعي يقودها سوري، وهناك عبروا الحدود التركية – السورية إلى تل أبيض، ثم بدأ التحقيق معه الذي كان يدور حول علاقته بالتدين، وفي ختام الاستجواب سأله الأمني عن صنف القتال الذي يفضله بين المقاتل أو الانغماسي أو الاستشهادي، فأجابه من دون تردد «أريد أن أكون مقاتلاً»، انتهى التحقيق وغادر الغرفة.
كان التوانسة يطلقون تسمياتهم على الأماكن في الرقة، وكانوا يشكلون أكبر عدد من المهاجرين، بعدد الذين التقاهم فيها، وقد زار مضافة الرقة للمهاجرات أكثر من مرّة من أجل العثور على زوجة وقد خصصت الدولة مضافات أخرى، واحدة لـ «أرامل الشهداء» وأخرى لـ «المطلقات» وفيها يجد المقاتل فرصته لانتقاء من يرغب فيها.
انضم إلى كتيبة سيف الدولة وأكرموهم بحضور دورة شرعية في مساجد الرقة، كان الأمر يتعلّق بدورة تحفيز وتحريض لخوض المعارك، وجاء اليوم الموعود فقد أخذوا أفواجاً إلى إقامات في مدينة الطبقة، وتردد في ذهنه كيف لهؤلاء البسطاء والعفويين حدّ البلاهة أن يتحولوا إلى وحوش كاسرة، وأن يكونوا مصدر رعب للعالم كلّه.
خاض المقاتل معارك تل أبيض والطبقة ومطارها، ومعركة تدمر ومطار كويرس، وقام بعملية تدريب على الأسلحة، وقد عرض عليهم أحد الأمراء قائلاً لهم: «سيارة مفخخة من يريد فلنستعن بالله»، لكن أحداً لم يجبه، وعادة ما يجلب الانتحاريون، في الدولة، بما يسمى كتيبة الاستشهاديين فيعزلون عن بقية الكتائب، ويملؤون استمارتهم في إدارة الحدود باختيارهم لوظيفة «الاستشهاديين».
عندما يتطرقون في المجالس إلى الأخطاء والانتقادات، كان بعضهم يرفعون إبهاماتهم إلى أفواههم، ويرفعون أيديهم إلى رقابهم إشارة إلى الذبح، وكانت مشاهد الرعب هي رسائل قوية للعالم ولكلّ جنودها وأنصارها في الدولة، كان شعارهم هو السمع والطاعة، وكان التوانسة يقولون نتمنى أن نسجن في تونس خمس سنوات، ولا يوماً واحداً في سجون الدولة، وكان مطار كشيش هو المكان الأنسب الذي تدفن فيه جثث من تصفهم دولة البغدادي بالغلاة والخارجين عنها.
محمّد الفاهم الذي ولد في مدينة دورتموند في شمال ألمانيا من عائلة تونسية مهاجرة، وتقرّر الأم العودة إلى تونس، فيترك لها الأب حرية الاختيار، ويسلّمها زمام تربية الأولاد، ويحدثنا عن نفوره من المدرسة، حيث كانت المدرّسة تضربهم وتعاملهم معاملة سيئة، ما سبّب نفوره بشكل دائم، وكان يلقب في الحي الذي يسكنه بالشيخ، بسبب حداثة سنه وامتناعه عن المحرمات، ويحدثنا عن مشاركته بالثورة مشاركة فعالة، ومن يومها أطلق لحيته وشعره، ويحدثنا عن قصة حبّه وزواجه، وعندما وصلوا إلى الرقة يحدثنا عن الإيزيديات، وكان تنظيم الدولة قد سبى المئات من نساء منطقة سنجار وقام بتوزيعهن على مقاتليه ممن شاركوا في الغزوة، تحت شعار الغنائم، وقد بلغ سعر الواحدة حوالي 12 ألف دولار، وقد شاهد الزانية في الرقة وهي ترجم إلى حدّ الموت، وكيف صرخت المرأة: والله مظلومة، غير أن كلامها لم يعد له أي فائدة.
هذه حكاية شاب عاش في ظل «الدولة الإسلامية»، هرب إليها لكنه وقع في مستنقع الخلافات والتناحرات، فهرب منها يريد الحياة بديلاً عن الموت.

::طباعة::