لمَ لَمْ أعرفْ معنى كلمة «مهيد»، وأنا ابنة اللُّغة العربيّة، حين حلَّقَتْ في الأخبار والأسماعِ واليوميّات؟ اللّغةُ تحبو أيضاً قبل أن يشتَدَّ عودُها كقامة الإنسان، وهي في بعض تعريفاتها «حصيلة» وفي بعضها الآخر «ثروة» يدركُ الإنسان نقصَها حين يعوزه التعبير والإيضاح، أو حين يخضع لاختبارات المعرفة!
حين رأيتُه في موشور صورته الثُّلاثيّة: يُسْنِدُ رأسه إلى جدار وفوقَه قذيفة، ثمَّ يتركها تنفجر خلفَه، ثمَّ يتقدّم، بيده لفافة كأنّه أشعلَها من القذيفة القاتلة، لم يخطُرْ في بالي أنّ مثل هذا المنبعث من زوايا الصُّورة المذهلة يحتاج اسماً!
كان طفرةَ فرحٍ كونيٍّ، استعصَى على الصُّورة أن تجعلها ثابتةً بقوانين الفوتوغراف، إذ كانت تموجُ، كلّما طالَعَتْها العين، حيث يواصل الوجود سَيْرورتَه الحركيّة الجارفة للمادّةِ الخاملة واللّحظةِ الزّمنيّة العابرة، ويمضي كما فعل مع القلاع العظيمة والحصون المكينة… لكنّ لحظةً زمنيّةً أخرى، تعيده إلى الواقع الذي فيه سَمْعُنا وأبْصارُنا وأفئدَتُنا حيث لا ثبات ولا توقُّف، فأراه شهيداً يتنكَّبُ سلاحاً ثقيلاً وهو يبتسم! بل يتوهّج ابتساماً ولا يترك في مجاله الضَّوئيِّ ذرّةً واحدة، غارقة في الظّلِّ أو العتَمة! يعود إليَّ شهيداً، بعد شهورٍ من صورته-المَوْشور، المتناوبةُ على مراياه قذيفةُ النّار والسّيجارة والجسد الليّن كأنّه الرّيحُ تكنس الأرضَ من خبائثها، ويَنْعاه أصدقاؤه: مهيد نصُّور شهيداً على أرض البوكمال! مهيد؟ اسمٌ لم يمرَّ بي قَطُّ على مرور آلاف الأسماء! آلافٍ ممَّن عبروا التّاريخ، وممَّن دُوّنَت أسماؤهم في الصُّحف والورق والكتب، آلافٍ ممّن عبروا حياتي، قريبين وبعيدين، وحملوا أسماءً متشابهة! رحتُ أخمّن معنى الاسم وعيني على وجهٍ صبوح، تفصح ابتسامتُه الخليّة عن لؤلؤٍ منضود وعَيْنَيْن تنثران النجوم وحُبابات الماء الفجْريّ!
«مهيد»! لمَ حمَلْتَ هذا الاسمَ النّادر على وَفْرةِ الأسماء العربيّة؟ معرفتي باللّغة خذلَتْني على غير عادتها، حتَّى لجأتُ إلى معاجم اللّغة بخجَلٍ من مقامك! مهيد: الزُّبدة الخالصة! وكيف لا تكون زبدةً خالصة حتّى من دون أن أعود إلى الصّفحات الزّرقاء التي عليها تعارَفنا، فأرى أنك مولودٌ في العشرين من شهر أيّار، سنة 1987 وعلى رأس صفحتك، العلم السُّوري والعُقاب الفينيقي، وحكاياتٌ مُتَسَلسِلة، يُسْرَد عنها روايات! تقول لقائدك في صقيع الفجر: -نَمْ مكاني يا سيّدي فأنا سأنام واقفاً! سَلْ عنّي، كنتُ عاملاً في معمل «بلوك» فصرْتُ مثلَه، كلّما تبخّر ماؤه بعد الصّبّ، اشتدَّت صلابتُه وغدا كالصّخْر! رأيتك تغنّي من جَماع قلبك وحَنجرتِك الشّجيّة، وبلا مرارة تحكي عن زوجة أبيك التي تركتَ لها بيتَ الطّفولة، إلى البيت الواسع حيث اقتحمْتَ الصَّحارى والجبال واللّيلَ والنَّهار والقلوبَ والأفئدة، تجري الضّحكةُ في موكبك وتتدفّق كالأنهار الكبرى العابرة للدُّول والأقاليم والقارّات! ها هي صورتك واقفاً أمام العلَمِ الأسود البغيض، تشيِّعهُ بسخريتك الجميلة: -من أرشيف الحقبة الدّاعِشيّة، بعد ختام هزيمتها وزوالها في صحراء البوكمال، فكلُّ باطلٍ زائل. عقبى «الحُرّ» و«النُّصرة» والظُّلّام واللِّئام!
مهيد… ليست مصادَفَةً أن تحمل هذا الاسم الفريد النّادر! لابد من أنّكَ حملْتَ إشاراتٍ حينَ وُلدْتَ، بأنّك ستكون من ظواهر الكَوْن كأنّك من كواكبه، كأنّك من مجرّاته، كأنّك من براكينه، كأنّك من فيضاناته، كأنّك من أعاصيره، من مَدِّهِ وجَزْرِه! وواحدٌ وثلاثون ربيعاً، كانت زمناً كالقرون المشعّة على من عرَفوكَ قريباً، ومن هَزَزْتَ مشاعرهم بعيداً، يا بهيّ الطّلعة ككمالِ الخَلْق الأوّل، يا كاملَ الرّوح الذي منه انبثق التصوّف وأنشد موشحّاتِه وأزجاله ففاضت علينا تردّد مع كلّ طلوع شمسٍ: المجد لك في الحياة! المجد لك في عُلاك..

print