وسط الدخان واللهب وأصوات القذائف، هناك جيل شعري سوري جديد وجد نفسه في أتون النار. جيل حائر ومرتبك وضائع بمعجم شعري يدير ظهره لكل المقترحات التي أسست للشعرية السورية، ليس من موقع القطيعة، وإنما لندرة القراءة. قد ينظر بدهشة إلى نصوص الشعراء المعروفين عن طريق الشذرات التي تصادفه في «الموقع الأزرق»، لكنه سرعان ما يكمل طريقه في متاهته الخاصة. حيال هذه الوليمة، هناك خريطة تزدحم بالأسماء، وأرض تحتاج حراثة لاكتشاف ما هو مخبوء تحت التراب، وفي الدروب الوعرة. لا منابر جديدة كي يسفح الشعراء الجدد حبرهم فوق صفحاتها. لنذهب إذاً، إلى مدوّنات الشبكة العنكبوتية ونصطاد عطر مخيّلة الألفية الثالثة. القطيعة هنا صريحة مع أوهام الأجيال السابقة.
هنا تتخفّف النصوص من البلاغة والمجاز والبسالة. قصائد مكتوبة بالبيجامات، تصطف في رتل طويل بانتظار «الإعاشة». لاجئون على أبواب «الفيس بوك» بانتظار قراء افتراضيين يمنحونهم «مرحى» عاجلة. لا أمل لمعظم هؤلاء بطباعة قصائدهم في كتاب، النصوص العرجاء في الفيس بوك، وجدت طريقها، وسط متاهة اللحظة الملتهبة إلى الحانات، بعكاكيز اللغة الهشة، ففي غياب المنابر العمومية، لجأ معظم الشعراء الجدد إلى هذه الأمكنة تحت مسمّيات مختلفة، في سوق عكاظ عصري، تختلط فيه الأصوات المتنافرة، من دون أن نلتقط خصوصية ما، إلا فيما ندر. بإمكانك المشاركة هنا بوصفك شاعراً، حتى لو لم تلقِ نظرة عجلى على «المعلّقات»، أو أن تسمع بالسيّاب مثلاً، أما فيما يخص النحو والصرف، فلا تتحدث بما لا طاقة لهم عليه. وسط فوضى النص الجديد، ستنجو أصوات نادرة من حفلة الصخب الجماعي، وتؤسس لمغامرتها على نحو مغاير بوصفها مشروعات شعرية تمثّل جيلها، هذا الجيل الذي وجد نفسه تائهاً في زحام التحوّلات الكبرى، ليس على مستوى خلخلة الخرائط وحسب، وإنما على صعيد الذائقة التي تتحكم بها الميديا في مطحنة لا تتوقف عن الدوران، وتالياً، الكتابة والمحو باستمرار. شعراء اليوم لا يحتاجون مرجعيات مركزية، وليسوا ضيوفاً على مائدة أحد، وكأنهم أتوا الكتابة، من دون أن يمرّوا بخزائن الشعر المتداول، سيهزّون أكتافهم بلا اكتراث أمام قافلة من الأسماء الرنّانة، فهم يكتبون تجاربهم مباشرة بقوة الغريزة والحدس والوجع الشخصي، يمضغون أياماً حامضة، كمحصّلة أكيدة لحطام حياة تنمو في العراء.

print