إذا كانت الفلسفة تعني «محبة الحكمة»، وهي «أم العلوم»، ومجالها «التفكير في التفكير»، فلماذا كُلَّما أنشدها أحد المُثقّفين في حديثه نجد مُعظم من حوله يضيقون ذرعاً بكلامه قائلين: «كفاكَ فلسفةً»، وكأن الفلسفة تُهمة، وتَتَبُّعُ أسئلةِ العقل جُنحة، أما تحرير الفكر فجريمة نكراء، لدرجة بات على مُعتنقي الفلسفة أن يتجرَّعوا الكأس الثانية من سقراط لأنهم ببساطة أُصيبوا بالواجب، على قولة أحد الشعراء السوريين، واجب المعرفة، والالتزام بتجاوز الذات عبر التأمل، وتنمية المخيلة… غير مُبتغين من ذلك سوى الفلسفة ذاتها التي لا تعيش إلا بالأسئلة، ولو حول ماهيتها نفسها.
«هلا أحمد علي» الحائزة ‎دكتوراه علوم سياسية من جامعة إيرلانغن نيورنبرغ في ألمانيا والمحاضرة في جامعة تشرين‎ تؤكد في حديثها لـ«تشرين» أن «الفلسفة باتت تهمة لأنها ببساطة لا تناسب لغة العصر ومنطق السوق، ولن يُعاد «بهاؤها» للأسف إلا إذا حُمِّلت بالإيديولوجية وخَدَمَتْ أغراضاً سياسية، أي حين يتحول الفيلسوف إلى بوق، فهذا الزمن ليس زمن الفكر بل زمن السلعة فقط، وواهم من يعتقد غير ذلك، وطرح هذا الموضوع مهم لكنه مؤلم».
«لكن فيما تقولين اتهام للفلسفة وليس دفاعاً عنها؟!»، فتجيب: «أنا لا أدافع عنها، لأن الفلسفة أم العلوم وليست بانتظار دفاع أحد، لكنني أتهم الفلاسفة أو من اعتقدنا لعقود أنهم كذلك، انظر حولك سترى كم من فيلسوف خان الفلسفة وطعنها في الظهر. بصراحة لا أمل من إحياء الفكر، والحقيقة أن هذه الأزمة موجودة منذ فلسفة أفلاطون، والسفسطائية هي أول وأهم من دعا لإحياء الفلسفة، فعملت الطبقة الأوليغارشية (الأقلية الحاكمة) في أثينا على تشويهها، وتاريخ الفلسفة شاهد على كثير من هذه الدعوات».
ليست الفلسفة هي المتهمة فقط، بل الناس الذين لا يُعْمِلون فِكرهم ويستسلمون لجمود عقولهم، وهو ما دعا الدكتورة بشرى عباس المُحاضرة في علم الجمال بجامعة دمشق والمعهد العالي للفنون المسرحية، للحفاظ على التقسيم الطبقي الذي أوجده أفلاطون، إذ ترى أن اتهام الفيلسوف ببعده عن الواقع يعود إلى أن بحث الفلسفة له عدة محاور منها: الأنطولوجيا «سؤال الوجود»، الحديث عن الروح، الكون، الخلق، العلة، الموت، الخلود،… تقول: «المحاور السابقة مفرداتها معقدة وبحثها يكون على مستوى النخبة، بينما هناك جمهور عريض من «القطيع» يتكئ على الحواس فقط، بينما عقلُه غافل، ويصعب عليه التعاطي مع الماورائيات ومع أسرار بهذا العمق، ولأن الإنسان عدو ما يجهل، فإنه لا يخوض بحديث يراه «مُفَزلكاً»، ولاسيما أن ذاك الحديث عملياً فوق طاقته على الاستيعاب، والله لا يُكلِّف نفساً إلا وسعها».
نسألها: «كيف نردم إذاً هذه الهوة؟»، فترد: «لا ينبغي أن نردمها، ولا حتى أن يكون لدينا وهم المساواة، فأفلاطون في زمانه تصدى لهذه الأوهام، ونيتشه مشى على خطاه، إذ إن الطبقات لن تتوحد حتى يوم الحشر، وسيبقى هناك العارف والجاهل، لكن إن كان القصد تقريب الفلسفة من جمهور أوسع، فإن البحث في فلسفة الفن وفلسفة الدين والأخلاقيات والأساطير يقربها من الجمهور العاشق للسهل والسطحي، وحينها تُلاعب حواس الناس لا عقولها. ومع ذلك أؤكد على ضرورة ألا نبحث عن المساواة، ليس من منطلق استعلائي نهائياً، فأفلاطون عدّ التراتب الطبقي القائم مجتمعياً أزلياً ثابتاً صنعته الآلهة، وحاكت به قوى النفس الثلاث: العاقلة، الغضبية، الشهوانية، لنكون: حكاماً وجنداً وعمالاً، وأنا أوافقه، فالطبقات مغلقة، وخطر على المجتمع انفتاحها على بعضها، وفي رأيي أن الفساد يرجع لقيام الطبقات بغير ما خُلقت له، عبر الديمقراطية مثلاً كأسوأ أنظمة الحكم، لأنه من خلالها يصبح الشعب كله عبداً للعبيد».
يحيى زيدو ماجستير دراسات فلسفية والمحاضر في جامعة تشرين يرى أن الفلسفة نظرة شاملة إلى الكون والإنسان والطبيعة. ويقول: «هي دعوة دائمة للبحث والتأمل والتفكير العميق لاكتشاف وفهم ماهية الحقيقة والمعرفة، وإدراك ما له قيمة أساسية وعظمى في الحياة بعيداً عن التعصب والتزمت والريبية المقيتة. فالفلسفة توجه حر ومستنير للحياة لا يعيش إلا في أجواء من الحرية، ولا ينمو أو يتقدم إلا بالنقد. مشكلة الفلسفة أنها لا تكتفي بالوصف، ولا تسلِّم إلا بالحقائق المبرهنة، أو التي أثبتت التجربة صحتها. لهذا يتم التضييق على الفلسفة، فهي تتعارض مع الفكر الظلامي. لقد غدت الفلسفة شبهة أو تهمة، وفي أحيان كثيرة سبَّة، لمن يعمل بها منذ زمن طويل من قبل السلطات المهيمنة تاريخياً. فقد تم ربط الفلسفة بالزندقة والكفر، أو بالجنون في محاولة لإخراج أي تفكير نقدي حر من دائرة التأثير في المجتمع، وذلك من أجل إبقاء ذهنية النقل مسيطرة، ليتم من خلالها ترويج الأوهام والخرافات».
يضيف زيدو: «لاشك في أن التضييق على الفلسفة أو الفكر الحر يتزايد في هذه المرحلة المفصلية من تاريخنا حيث يراد تعميم الفكر الظلامي وتسييد ثقافة النقل على كل المستويات.. ولا يمكن للفلسفة أن تستعيد دورها التنويري إلا بتحرير مجتمعاتنا من ربقة الفكر الظلامي الذي يرفض مغادرة القرون الوسطى إلى المعاصرة والحداثة. إننا جميعاً مسؤولون عن إعادة الاعتبار للفلسفة في حياتنا، ودورها في التنوير، وتالياً في إنجاز عملية التقدم التاريخي-الحضاري من خلال التمسك بقيم التنوير، والحرية، والفكر النقدي، وسيادة العقل. ومن دون هذا الجهد الجماعي، الذي هو مسؤولية المثقفين بالدرجة الأولى، ستبقى الفلسفة في موقع الدفاع عن نفسها غير قادرة على التأثير في حركة المجتمع نحو الأمام. فلابد للمثقفين من أن ينزلوا من بروجهم العاجية، ويبادروا للفعل التاريخي بذهنية «المثقف العضوي» للعمل مع كل الفئات الاجتماعية الحية والمؤثرة والفاعلة في المجتمع من أجل التقدم، والبناء، والإيمان بالحريات للجميع، وتسييد ثقافة العقل في مواجهة ثقافة النقل. ثقافة التنوير في مواجهة الظلامية ليكون للفلسفة دورها في إنجاز عملية التغيير والتقدم التاريخي المنشود».
أما الشاعرة والناقدة ناهدة عقل فتعتقد أنه منذ بداية ظهور الفلسفة والعامة تستهجن الكلام بالمجردات لأن تفكيرها بسيط مادي محسوس يومي، توضح: «بالنسبة لمجتمعاتنا تحديداً، فإن تفكيرها غيبي يُؤْثِرُ إجابات جاهزة منحها إياها الدين، فتُوْقِف تالياً إعمال الفكر للبحث عن إجابات، وثمة عامل آخر في المجتمع العربي يتعلق باللغة، حيث إن العامة تحكي لهجة بينما كلام المثقفين غالباً يكون بالفصحى، ما يزيد من الفجوة بين الشريحتين. الفلسفة تهمة وفق منطق التفكير العلمي، وهذا ناتج طبيعي لتقدم العلم، وتراجع الفلسفة حتى أنها صنفت مع الفنون، أما موضوع إعادة رد الاعتبار للفلسفة فيتبع خط سير التطور الحضاري للعالم الذي اعتمد العلم قائداً لمسيرة المعرفة، لذلك فهي مسألة أعقد وأكبر من مجتمعاتنا التابعة فكرياً للمجتمعات المتحضرة».

print