لنعتبر أن قرار تأسيس «أونروا» (8 كانون الأول 1949) كان نوعاً من التكفير عن الذنب الإنساني والتاريخي الذي ارتكبته الأمم المتحدة بحق الشعب الفلسطيني بعد تسببها «بتشريع» الاحتلال الإسرائيلي والاعتراف به عبر القرارات التي أصدرتها تباعاً منذ قرار تقسيم فلسطين (29 تشرين الثاني 1947) ثم تأسيس كيان الاحتلال في 14 أيار 1948 بناء على قرار التقسيم.
.. لنعتبر أن النيات الأممية كانت صادقة من وراء تأسيس «أونروا» وأن هدفها كان حفظ وصون الشعب الفلسطيني كوحدة كاملة متكاملة في الداخل وفي الشتات لحين قيام الدولة الفلسطينية فيعود إليها كحق تاريخي لا يموت بالتقادم.. ولتؤكد صدق نياتها أصدرت في 11 كانون الأول 1948 قراراً واضحاً صريحاً تحت اسم حق العودة برقم 194.
.. لنعتبر أنه لولا «أونروا» لما استمرت قضية اللاجئين الفلسطينيين قضية حيّة، ولَمَا كانت إحدى قضايا الحل النهائي التي لا تستقيم عملية السلام من دونها، إذ إن ولاية «أونروا» تتجدد تلقائياً طالما ليس هناك دولة فلسطينية يعود إليها اللاجئون، وهذا ما جعل «أونروا» في موقع مهم جداً بالنسبة للشعب الفلسطيني وقضيته، وفي موقع خطير جداً بالنسبة لكيان الاحتلال الذي لم يستطع تجاوز «أونروا» الموجودة بقوة الشرعية الدولية- الأممية. صحيح أنها منظمة إنسانية بالدرجة الأولى لكنّ إلغاءها يحتاج قراراً سياسياً في الأمم المتحدة، وهذه مهمة تبدو شبه مستحيلة (أقله حتى الآن).
..لنعتبر أن الأمم المتحدة استمرت طوال 70 عاماً متمسكة بـ «أونروا» وأنها ستبقى كذلك رغم كل ما تتعرض له «أونروا» من ضغوط سياسية وما زالت ومن محاولات للتشويش على دورها ووصفه بالملتبس بين الإنساني والسياسي وأحياناً المشبوه (ولاسيما بعد مفاوضات أوسلو 1993 ولكن لا يبدو هذا مهماً مقابل ما يمثله استمرار «أونروا»، وهذا الاستمرار يكاد يكون العامل الوحيد المتبقي لاستمرارية حق العودة في ظل التخلي العربي في معظمه عن هذا الحق وحتى المجاهرة بهذا التخلي، ونقصد تحديداً عرب الاعتدال والتطبيع ممن يمسكون حالياً أخطر المراحل المصيرية التي تمر فيها الأمة).
لنأخذ في الإعتبار كل ما سبق ونحن نرى اليوم السعي الأمريكي- الإسرائيلي المستميت لمحاصرة «أونروا» وإلغاء دورها تمهيداً لحلّها وإسقاط قضية اللاجئين الفلسطينيين وحق العودة كإحدى قضايا الحل الرئيسة (كما إسقاط القدس) وعلى القاعدة نفسها التي يقولها ترامب أنه عندما أسقط القدس من مفاوضات الحل النهائي أزاح عقبة صعبة من طريق التفاوض.. في حين أن الهدف الحقيقي هو تصفية تعسفية لهذه القضايا حيث لا يبقى ما يجري التفاوض عليه فتصبح مسألة إقامة دولة فلسطينية على أرض غير فلسطينية وفي عاصمة غير القدس مسألة وقت وبحكم الأمر الواقع، أي خياراً حتمياً، وليرفضه الفلسطينيون، هم يستطيعون ذلك، ولكن في المقابل ليبقوا ما شاء لهم من دون دولة، من دون سيادة، من دون قرار، من دون حقوق، ومن دون سند دولي (ولا عربي حتى) هذا لا يضير إسرائيل في شيء التي ستمضي قدماً، بينما يبقى الفلسطينيون معلقين في الهواء، ولا عزاء لهم في أمة تتشظى وعرب«معتدلين» لا هم لهم سوى حماية رؤوسهم وكراسيهم.
في 23 كانون الثاني الماضي أبلغت الولايات المتحدة وكالة «أونروا» بقرار حجب 65 مليون دولار أميركي عنها (من أصل 125 مليون دولار هي إجمالي قيمة المساعدات الأمريكية للعام الجاري 2018). ويعد هذا القرار أول استهداف أميركي مباشر للـ «أونروا»، إذ يصيبها بنقص مالي شديد ومؤثر لا تستطيع تعويضه ولا تلافي آثاره، وإذا ما ألحق هذا الحجب بإجراء آخر مماثل، أو إذا ما استمر للعام المقبل فهذا يعني تقليص عمليات «أونروا» الإغاثية والتشغيلية إلى الحد الأدنى، أي تقليص دورها ليشمل أقل عدد من اللاجئين، وبما يجعله في نهاية المطاف دوراً شكلياً، أي وجوداً شكلياً للـ «أونروا» تمهيداً لحلّها بزعم انتفاء الدور الذي أسست من أجله، وبذريعة أن الدول ليست مضطرة لتمويل وكالة بعمليات محددة غير مؤثرة.
هذه ليست نظرة تشاؤمية.. أبداً. يكفي النظر إلى مواقف الدول الممولة للـ«أونروا» لندرك ذلك. ردود الفعل كانت بالحد الأدنى، إضافة إلى أنها لم تستجب لحملة «التبرعات العالمية» التي أطلقتها «أونروا» لإسعافها بسد ّالنقص المالي الذي لحقها بسبب الحجب الأمريكي، حتى ردود الفعل المنددة كانت مخجلة، وعليه لم تجد «أونروا» أمامها إلا الصمت وانتظار مصير ستقرره الولايات المتحدة ومن ورائها «إسرائيل». طبعاً معظم العرب وجامعتهم ودولهم النفطية فعلوا ما عليهم وأكثر، رفضوا ونددوا وأدانوا وحذروا، ولكن خزائنهم لن تُفتح أمام «أونروا» ولا غيرها.. وليقبل اللاجئون الفلسطينيون التوطين والتعويض الذي اتفق عليه «عرب الاعتدال» والتطبيع منذ سنوات مع «إسرائيل» والولايات المتحدة (منذ اتفاق أوسلو).
هذا التخلي العربي لم يكن كافياً.. كان لا بد من استهداف اللاجئين وحق والعودة بصورة مباشرة، أي ببعده الأممي الدولي، وهذا ما يجري العمل عليه بصورة علنية منذ قدوم ترامب للبيت الأبيض وليس فقط منذ قراره حجب نصف المساعدات المالية الأمريكية عن «أونروا» هي خطة أميركية- إسرائيلية على مراحل وقد لا ينقضي هذا العام- ربما- إلا ونشهد نهاية «أونروا». ومرة أخرى هذه ليست رؤية تشاؤمية، إنه التوقيت العربي- الدولي المثالي، ولنا في القدس عبرة. اليوم لا نجد صوتاً عربياً أو دولياً يتحدث عن القدس عندما يخرج ترامب ويتحدث عن إسقاطها نهائياً من التفاوض، وليبقى استئناف المفاوضات معلقاً، لا ضير في ذلك لـ «إسرائيل» مادامت الولايات المتحدة تُسقط قضايا الحل النهائي واحدة تلو الأخرى من دون أي إجراء دولي.. أو أممي مضاد. وهذا ليس من عندنا فلننتظر ونرَ ما سيجري هذا العام ونتمنى أن تكون تلك الرؤية التشاؤمية في غير محلها.
تفريغ «أونروا» إنسانياً.. وسياسياً
طبعاً لن نشهد نهاية «أونروا» بين ليلة وضحاها. هناك خطوات ستعتمدها الولايات المتحدة لرفع الحرج «الإنساني» عنها وإلقائه على عاتق الدول التي تستضيف اللاجئين الفلسطينيين. كيف ستفعل الولايات المتحدة ذلك؟
أولاً، لا بد من نزع البعد السياسي عن «أونروا»، أي عن قضية اللاجئين الفلسطينيين لتكون قضية إنسانية بحتاً ليست متعلقة بدولة ولا بحقوق سياسية أو وطنية أو تاريخية. هذا البعد السياسي هو ما يُكسب «أونروا» وقضية اللاجئين الفلسطينيين قوة مضاعفة للبقاء والتأثير، وهو وإن كان مضمراً- أي غير موجود بصورة مباشرة- يكفي أن نذكر مثلاً أن حق العودة صدر كحق جماعي أي حق شعب كامل متوارث جيلاً بعد جيل، غير قابل للتصرف، ولا يسقط بالتقادم، ولا يخضع للتفاوض والتنازل، ولا يُلغى أو يُنهى في أي اتفاق أو معاهدة من أي نوع حتى ولو وُقع من جهات تمثل الفلسطينيين أو تدّعي أنها تمثلهم. إنه حق شخصي يسقط فقط بتوقيع فردي يخص صاحبه فقط ولا يشمل سواه. من هنا تأتي قوة قرار حق العودة و«أونروا». هذا التعريف لم يترك شيئاً إلا وذكره ليسدّ كل المنافذ والذرائع أمام أي أحد، وفي أي وقت، وفي أي مرحلة، لإسقاط هذا الحق حتى قيام الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين إليها، أي إن على الولايات المتحدة وإسرائيل أن تلغيا «أونروا» نفسها أولاً حتى يُلغى كل ما سبق.
ثانياً، لا بد من نزع صفة «الجماعي» عن حق العودة وتحويله إلى حق فردي، وبذلك تنتفي صفة «القضية» بمعناها الدولي ويتحول اللاجئون الفلسطينيون إلى لاجئين عاديين بلا خصوصية ولا قضية ولا حقوق سياسية أو وطنية.
ثالثاً، لنزع صفة «الجماعي» لا بد من تغيير الجهة أو المرجعية الدولية- أي الأممية، إذ تدعي الولايات المتحدة و«إسرائيل» أن «أونروا» لا مسوغ لوجودها أو استمرارها في ظل وجود منظمة أعم وأشمل وأوسع تمويلاً وهي المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين (UNHCR – تأسست 14 كانون الأول 1950). وبزعم أن عمل «أونروا» متماثل مع عمل هذه المفوضية فإنه في الإمكان الاستغناء عن «أونروا» لكونها تختص فقط بالفلسطينيين وليس بمجموع اللاجئين حول العالم، وتالياً في الإمكان نقل مسؤولية اللاجئين الفلسطينيين إليها.
استهداف حق العودة ببعده الدولي
رابعاً، ماذا يعني هذا؟
لنعد إلى تعريف حق العودة كحق غير قابل للتصرف أو التفاوض أو التنازل يعطي اللاجئين الفلسطينيين خصوصية دولية مختلفة عن بقية اللاجئين حول العالم المشمولين بمسؤولية المفوضية السامية الذين فروا أو خرجوا من بلادهم بسبب الحروب أو القمع أو الاعتقال أو لأسباب سياسية..الخ. عندما يتم تحويل اللاجئين الفلسطينيين إلى المفوضية السامية فهذا يعني تحويل قضيتهم إلى مجرد عملية توطين وتعويض فردية بحت يقرر فيها كل لاجئ الدولة التي يريد الإقامة فيها (أي الهوية التي يحملها بعد إسقاط هويته الفلسطينية) أي يتم التعامل مع كل لاجئ وحده وتعويضه بمفرده. وعندما يبقى الفلسطينيون في دول اللجوء- وهم بالملايين- ففي هذا عامل ديمغرافي مهم جداً لـ «إسرائيل»، إذ يشكل ورقة رابحة في يدها لتأكيد الأغلبية اليهودية في أرض فلسطين، فتكتمل الذرائع لإقامة ما يسمى «دولة قومية يهودية» والاعتراف بها أممياً على هذا الأساس. لنذكر مرة أخرى أن قرار حق العودة يقضي بحق اللاجئين في العودة والتعويض (وليس: أو التعويض).
خامساً، من أجل تحقيق الهدف السابق، أي إسقاط صفة «الجماعي» لا بد:
1- من إعادة تعريف اللاجئ الفلسطيني.. وحسب التسريبات التي تنشرها وسائل الإعلام تباعاً فإن «أونروا» تتعرض لضغوط شديدة لاعتماد تعريف جديد يخص فقط اللاجئ الذي خرج من فلسطين عام 1948، ومن دون توريث، وأن اللاجئ الذي يحمل جنسية أو إقامة دائمة في أي بلد ستسحب منه صفة اللاجئ، وهذا يعني وحسب الاحصاءات أن «أونروا» ستصبح مسؤولة فقط عن 30 ألف لاجئ فلسطيني أعمارهم فوق الـ 67 عاماً، أي إنها تسقط «قانونياً» من حساباتها خمسة ملايين وخمسمئة ألف لاجئ من المسجلين لديها حسب إحصاءات العام الماضي 2017. وبموت هؤلاء الـ 30 الفاً بحكم التقدم في العمر يسقط حق العودة تلقائياً وتالياً في الإمكان حل «أونروا» لانتهاء وانتفاء دواعي استمرارها.
2- تقسيم اللاجئين .. هناك اتجاه داخل «أونروا»- بفعل الضغوط الشديدة التي تتعرض لها- لفصل «حق استحقاق الخدمات» عن «حق تسجيل اللاجئين» أي تقسيم اللاجئين الفلسطينيين إلى فئتين: الأولى لاجئ مُسجل، والثانية لاجئ مُسجل مُستحق. بمعنى ليس كل لاجئ مُسجل في سجلات «أونروا» يستحق الخدمات التي تقدمها من تعليم وصحة وإغاثة وتشغيل.. الخ، ما يؤدي إلى قصر الخدمات على ما يُسمى الحالات الصعبة، وهذا يعني إغلاق قسم كبير من برامج الخدمات لأن تعريف المُستحق سيصبح مرتبطاً بالحد الأدنى للأجور في مناطق عمليات «أونروا» الرئيسة (سورية، لبنان، الأردن، الضفة الغربية، قطاع غزة). وسبق لـ«أونروا» أن أغلقت خلال العامين الماضيين عدة مقرات لها في غزة نتيجة العجز المالي، ويعد قطاع غزة أكثر المتضررين من تقليص خدمات «أونروا» وهو بمنزلة كارثة إنسانية لأهالي القطاع.
في حال تم تحقيق ما سبق، فإن ذلك سيكون «مسوغاً كافياً» للولايات المتحدة و«إسرائيل» للدفع باتجاه قرار في الأمم المتحدة لحل «أونروا»، وبذلك تسقط قضية اللاجئين الفلسطينيين ليتم التوجه الأمريكي- الإسرائيلي بعدها إلى قضايا الحل النهائي المتبقية كالمستوطنات والمعابر والترتيبات الأمنية وغير ذلك.
«أونروا وصفقة القرن»
والسؤال: لماذا ما سبق هو سيناريو قابل للتحقق؟
أولاً، لأن ملف اللاجئين وإسقاطه هو جزء مما يسمى «صفقة القرن» التي أطلقها ترامب وبموافقة عرب المال والنفط الذين سبق أن جاهروا باستعدادهم لدفع كامل تكاليف توطين وتعويض اللاجئين الفلسطينيين في الدول التي يقيمون فيها، بمعنى يكفي أن يطلق ترامب شارة البدء ليبدأ التنفيذ.
ثانياً، حتى الآن لم يصدر عن الأمين العام للأمم المتحدة أي موقف حيال الحجب المالي الأمريكي أو حيال المحاولات الإسرائيلية- الأمريكية لمحاصرة «أونروا» مالياً والتسبب في إفلاسها. كان في إمكان الأمم المتحدة أن تتدخل بمبادرة مالية إسعافية، وكان في إمكانها مثلاً أن تعلن تخصيص جزء مالي دائم من موازنتها السنوية لـ «أونروا» تعدل بها كفة العجز المالي الذي وقعت فيه الوكالة بسبب الحجب الأمريكي الذي قد يتكرر، وبذلك تكون الأمم المتحدة ساعدتها على مواجهة الضغوط والحصار المالي.
ثالثاً، «أونروا» نفسها، أي القائمون عليها، ربما باتوا لا يمانعون في حلّها، وعندما بدأت التهديدات الأمريكية ثم تجميد المساعدات الأمريكية، وعندما بدأ الحديث إثر ذلك يتسع عن الخطوات الأمريكية- الإسرائيلية لإقصاء «أونروا»… عندما بدأ كل ذلك، بدأ إعلاميون وكتاب وباحثون ينبشون في التاريخ ويذكرون أنه خلال مفاوضات أوسلو أظهرت «أونروا» تأييداً علنياً لخطط تهدف إلى حلها في حال مضى «أوسلو» قدماً على حد قولهم، علماً أنه من الصعب التحقق مما إذا كانت تلك حقيقة أم لا، فقد يكون هذا صحيحاً وقد يكون جزءاً من محاولات التشويش على «أونروا» وتشويه سمعتها تواطؤاً مع أمريكا و«إسرائيل».
الوضع الملتبس وتداعياته
يُضاف إلى ما سبق أن «أونروا» لطالما عجزت عن مواجهة الضغوط السياسية للدول الممولة وعلى رأسها الولايات المتحدة، علماً أن هذه الأخيرة هي من أكثر الدول إخلالاً بالتزاماتها المالية تجاه «أونروا». هناك مسؤولون بارزون في الأمم المتحدة يعلنون جهاراً تأييدهم لـ«إسرائيل» ومعاداتهم للفلسطينيين بمن فيهم اللاجئون، فكيف يستقيم أن يكونوا ضمن منظمة دولية إنسانية محايدة وفي الوقت نفسه يعلنون مواقف كهذه، ألا يفترض أنهم يعملون في إطار الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين حصراً، فكيف لهم أن يدافعوا عمن هجروا الفلسطينيين وقتلوهم وشردوهم في بقاع الأرض، وكيف لـ«أونروا» أن تقبل بمسؤولين معادين للقضية الأساسية التي أسست من أجلها.. ثم هناك التغييرات الإدارية المستمرة في هيكلية «أونروا» والتي تستجلب شخصيات ومسؤولين من المدافعين عن كيان الاحتلال، أي بمن يؤثر في الهدف الأساسي الذي قامت من أجله وهو الدفاع عن اللاجئ الفلسطيني أينما حل وأينما كان.
مع ذلك لا بد من الإشارة إلى أنه إذا كان واقع «أونروا» كذلك فهو ليس وليد أوسلو فقط. «أونروا» في كثير من المواقف الحاسمة وجدت نفسها وحيدة بمواجهة الضغوط السياسية والمالية. وحيدة حتى من موقف عربي داعم. هذا الواقع هو ما قاد لاختراقات متعددة لها على مستوى الإدارة والسياسة والأهداف، نحن لا نريد إلقاء اللوم عليها أو على الأمم المتحدة، فالأغلبية العظمى من العرب يتحملون المسؤولية الأكبر.
ورغم كل ما يُقال عن «أونروا» والأحاديث عن دورها الملتبس، فلا يجوز الركون إلى ذلك ولا الانجرار وراءه حتى لو تم الافتراض أن ذلك صحيح. المطلوب التمسك حتى النفس الأخير بـ «أونروا» ومواجهة محاولات تغييبها. صحيح أنها دعوة في واد ولكن من يدري. الأقدار قد تتغير بين ليلة وضحاها، والمطلوب تجميع أوراق القوة أو استعادة ما ضاع منها، وليس التخلي عما هو بين الأيدي.
لماذا علينا الدفاع عن «أونروا»؟
علينا الدفاع عن «أونروا»لأنها لا تمثل فقط حق اللاجئين الفلسطينيين بل هي تمثل كل فلسطين. كل القضية. لأن القضية هي شعب بالدرجة الأولى، هي الإنسان. الإنسان الفلسطيني بالدرجة الأولى. من هنا تأتي أهمية «أونروا» القصوى وهذا ما تدركه «إسرائيل» جيداً.
«أونروا» وحق العودة هما الخطر الوجودي الحقيقي الذي سيبقى قائماً. هذا الخطر آن أوان إزالته إسرائيلياً وأمريكياً، وهو ما تفعله إدارة ترامب التي تضع كل شيء على الطاولة. لا شيء تحتها ولا فوقها ولا على جوانبها، وليس لدى العرب ما يضعونه على هذه الطاولة. لا شيء لديهم. أليس هذا ما أعلنه الملك الأردني عبد الله الثاني قبل أيام (على هامش منتدى دافوس الاقتصادي العالمي في 4 شباط الجاري) من أنه ليس لدى العرب وجامعتهم ما يقدمونه بمواجهة ما تعلنه الولايات المتحدة مما يخص الفلسطينيين ومفاوضات الحل النهائي. ألم يطالب الملك الأردني العرب بالتسليم بالأمر الواقع الذي تفرضه الولايات المتحدة عبر «خطة السلام» المرتقبة التي ستعلنها، بزعم أن العرب ليس لديهم خطة بديلة في المرحلة الحالية (ولن يكون لهم).
هذه كانت دعوة صريحة لا لبس فيها من ملك عربي لدولة عربية لصيقة بفلسطين تاريخاً وجغرافيا وفي الإنسانية. دعوة للتسليم والاستسلام. وهو ليس وحدة. قس عليه كل الممالك والإمارات والمشيخات وأدواتها.
مع ذلك وكما قلنا آنفاً ورغم الرؤية السوداوية، ينبغي التمسك ليس بـ«أونروا» فقط بل بكل ما يبقي القضية الفلسطينية حيّة لأن مصير الأمة من مصيرها.

::طباعة::