كثيراً ما يتوازى الحديث عن مكتبة الأسد الوطنية بما تمتلكه من كتب ومخطوطات نادرة ومدى قدرتها على حماية أرشيفها الغني، لكن الأمر مختلف هذه المرة وبعيد عن دورها الاعتيادي في استضافة النشاطات الثقافية… أخيراً فضّل المعنيون في المكتبة إقامة نشاط ثقافي خاص، تتيح من خلاله جزءاً من محتوياتها عبر معرض وثائقي عنوانه «دمشق في العيون».
تمتلك المكتبة ما يقارب 20 ألف مخطوط، وهي كنوز حقيقية، ترتبط بكل ما تملكه الذاكرة السورية مكتوباً، وعلى ما يبدو فإن لدمشق حصة كبيرة من رصيدها المنوع، وهو ما أتاحته للفرجة في معرضها دونما الاستعاضة بنسخ أخرى أو أجزاء كما درجت العادة، بدءاً من الطوابع والصحف والكتب إلى الصور والرسومات والخرائط حتى يمكن عدّه اكتشافاً جديداً للمدينة، بالنسبة للزوار غير المختصين على الأقل، فهو لا يكتفي بجانبها التاريخي الأحدث، إنما يعطي الزائر فرصة لمعرفة تفاصيل غابت أو لم تجد طريقها إلينا لأسباب كثيرة، وكلها تحكي شيئاً عن الشام، كيف كانت الحياة فيها وكيف تدرّجت حتى ما وصلنا إليه اليوم؟. واللافت أن المدينة الأسطورة بصخرة قرابين هابيل وقابيل وكهف العبادات القديمة، جدران هود وباب جيرون، قادرة دوماً على إلهام محبيها وساكنيها للبحث حولهم والقبض على جماليات مخبوءة، لا تحتاج أكثر من محبٍ فنان، ربما يكون مصوراً أو صحفياً أو مهندساً لكنه بالتأكيد يراها باشتياق تستحقه، وإلا ما كان لها هذا الزخم الذي لم نر سوى شيء بسيط منه. أفرد المعرض جزءاً واسعاً لصور توثّق تاريخ المدينة الحافل، التقطها أو رسمها فنانون ومصورون من مختلف دول العالم، منها بانوراما لدمشق تصوير «جان باتيست شارليه» عام 1870 تعرض جانباً من العمارة القديمة بأسقفها الطينية وشبابيكها الخشبية، وفي أخرى منظر لسوق دمشقي قرب مدخل السروجية تصوير «بونفيس» عام 1885، وهو أنموذج لطريقة عرض البضائع وترتيب واجهات المحلات، أيضاً هناك عدة صور لضفاف ومجرى بردى ما بين المنبع والمصب، ومن محفوظات قصر العظم سابقاً رسم للمدينة في القرن الثامن عشر ميلادي لفنان أوروبي مجهول، إضافة إلى رسم «بائع السيوف» للرسام الإنكليزي «تشارلز روبرتسون» عام 1877.
في مجال العمارة رفدت المكتبة معرضها بمخططات لدمشق، تظهر أبنية القرنين السادس عشر والثامن عشر، ونسيج الشوارع عام 1850 مع الأسواق الكبرى وتوزيع سبل المياه، وفي مخطط آخر عرض لأبنية في العهد الأيوبي، كلها ترصد التطورات التي طرأت على توزع الشوارع والحارات ودور العبادة خلال فترات من الزمن، أُرفق عدد منها ببعض الكتب للتوضيح، ولم يقتصر قسم المخطوطات على مجال البناء بل تعداه نحو تفاصيل اجتماعية وثقافية، حدثتنا عنها معاونة مدير المخطوطات هبة المالح، فالمخطوطات تجمع بين القدم والحداثة، ورغم تشابه عناوينها لكن في كل منها معلومات مختلفة، تضيف على نظيراتها. أقدم المخطوطات «تاريخ ابن عساكر» لـ علي بن الحسن بن عساكر، وهو يأتي في أجزاء كثيرة مرتبة حسب السنوات مازال مجمع اللغة العربية يقوم بتحقيق بعضها، هناك أيضاً كتاب يتحدث عن «ترغيب أهل الإسلام في سكنى الشام» لـ السلّمي، يحث على اللجوء للشام أيام الفتن.
بالطبع المخطوطات المعروضة ليست إلا جزءاً بسيطاً مما في جعبة مكتبة الأسد، وهي تحرص على اختيار نماذج مما لديها وتقديمها في معرض دائم في قسم المخطوطات، يمكن زيارته دائماً. في القسم المخصص للدوريات والمطبوعات، استحضر المعرض صحفاً سورية حازت متابعة الناس واهتمامهم في زمن مضى منها: صحيفة «الفيحاء» لصاحبها قاسم الهيماني، «الميزان» لصاحبها ومحررها أحمد شاكر السكري، «الناقد» لأديب الصفدي، «المقتبس» لمحمد كرد علي، «النظام» لفوزي أمين، «المفيد» لخير الدين الزركلي، «ألف باء» ليوسف العيسى، «الأيام» لنصوح بابيل، ومن المجلات السياسية: دمشق 1941، أنوار 1945، معهد الحقوق العربي 1945، وغيرها الكثير.

::طباعة::