ت: عبد الرحمن صقر
حلّ الفن الإيراني المعاصر ضيفاً على صالة الشعب في بادرة ثقافية تشكل فرعاً في رفد التبادل الثقافي بين الفن السوري والفنون العالمية بمختلف أنواعها، وقدم المعرض الذي افتتح برعاية وزارة الثقافة والمستشارية الثقافية لسفارة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وبمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثين لانتصار الثورة الإسلامية في إيران، قدم صورة جديدة لسنا على اطلاع كبير عليها للجانب الثقافي والفني للجمهورية الإسلامية الإيرانية، ينضوي على عدّة أنواع من الفنون، التي تسير مع بعضها بشكل متوازٍ يتقاطع أحياناً.
جزء من هذه الفنون الإيرانية يتبنى النظريات الغربية، وقسم آخر يعتمد على الفنون الشعبية الإيرانية القديمة وهي «الميناتور» ويعتمد على الرسم المبسط والتوضيحي ذي الألوان الهادئة الرزينة، أما القسم الثالث فهو الذي انتشر وتطور بعد الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وقبل انتصار الثورة كانت تطغى على هذه الفنون النظريات الغربيّة، لكنها كانت تحمل مضموناً ثورياً خاصاً بموضوعات الثورة الإسلامية الإيرانية، واليوم يحاول الفنانون الإيرانيون المعاصرون الاستفادة من الفنون التقليدية القديمة مع تطبيق مضمون الثورة الإسلامية لكن بأساليب حديثة ومعاصرة، مع ملاحظة وجود قاعدة أساسية مشتركة بين الفنون الإيرانية والفن السوري المعاصر الذي هو -في جزء منه- طوبة في جدارية الفن الإسلامي المعاصر.
إضافةً إلى فن الغرافيك وفن الكاريكاتور وفن الخط، كشف لنا المعرض المتنوع عن فن «الميناتور» أو المنمنمات، وهو فن تختص به الحضارة الإيرانية من دون غيرها، ويضم تصويراً جميلاً وإبداعياً للطبيعة، وللإنسان، وللحالات التي يحياها هذا الإنسان كالعشق والمحبة والعبادة والعلم والمعرفة وما شاكل وشابه ذلك، ومن الفنانين المشهورين جداً في إيران الفنان «محمود فرشجيان» وهو صاحب اسم عالمي معروف، وقد تتلمذ في مدرسته الفنان «محمد علي رجبي» الذي شارك في بعض لوحاته المثيرة للجدل، وتناولت إحداها العلاقة القدسية الخالصة بالمحبة بين الإنسان وأحد الأنبياء أو القديسين الذي يمثل رسالة الله على الأرض، بينما تناولت لوحة أخرى نظرة تعصبية للمرأة السافرة المتبرجة التي رماها الحجاج -وهم فقط من الرجال بزيهم الأبيض الناصع- بالجمرات في إشارة قاسية إلى قدسيّة الحجاب، وفي العموم طغى على لوحات رجبي الطابع الإسلامي الذي يتناول قصصاً من القرآن الكريم ويحولها إلى لوحات فنية غاية في الإبداع والإتقان والبساطة في الوقت نفسه. المقاومة كانت حاضرة بقوة ولاسيما في لوحات الفنان «رضا شعباني» الذي تناولت ريشته جنوداً من البشر أو الملائكة يذودون عن حمى الأرض والعرض، رافعاً علم المقاومة الأصفر بخطوطه الخضراء على كتف أحد المقاومين الأشاوس، ومُؤازراً إياهم، بمجاهدين عظماء اختفت وجوههم خلف هالات قدسية بيضاء، مستعيناً بالكولاج والمزج بين أكثر من نوع من الفنون تارةً، وبالتصوير الزيتي الخالص تارة أخرى، ومعبراً عبر استغلال الفراغ بحده باللون الأسود، وعبر الألوان النارية القوية كالأحمر والأصفر والأرجواني، عن إرادة شعب حديدية، وعقيدة نقيّة لا يمكن أن تنهزم. الفن الآخر الذي قدمه المعرض بشكل وافٍ، هو فن الخط، وإحدى أهم مدارسه «الناقوشي خت» أي الرسم ممزوجاً ومتماهياً مع الخط، وتنوعت اللوحات التي قامت على الخط منفردة في بعضها، بينما أحيط «الناقوشي خت» بخطوط زخرفية إسلامية ناعمة ذات ألوان هادئة ومتماهية مع الإبداعات الخطية في الداخل، والتي كان بعضها مقروءاً والبعض الآخر أقرب للتشكيل الإبداعي.
الكاريكاتور أيضاً حاز بدوره على مكانته في المعرض، من خلال خمس لوحات للفنان «أحمد رضا بيضائي» الذي قدم لوحات انضوت في معظمها على العوالم السياسية والمواقف المقاومة للإرهاب والاحتلال الإسرائيلي والهيمنة الأمريكية.

طباعة