في كل مرة يطلّ علينا سيناريو الفساد بوجوه متعددة، وفي كل مرة تطفو إلى السطح إشكالية من يكافح الفساد، ولماذا تمتد أذرعه كالإخطبوط كلما ازدادت شعارات محاربته؟ وهل المواطن قادر على مقاومة الفاسدين أم هو شريك صامت؟!
ما يحدث من رد فعل سلبي من المواطن، ربما سببه فقدان الثقة بالطرف الآخر، وعدم وجود الآذان المصغية، وكم مرة ترددت على مسامعنا عبارة ما الفائدة من الشكوى؟
ما يحدث من استعراض لقوة أصحاب المال والنفوذ، يجعلنا نسأل: مَنْ يتحمل المسؤولية الكبرى فيما يجري؟ ومَنْ يستطيع أن يمسك بيد المواطن ليحميه ويزرع بذور القوة في قلبه للمشاركة في اقتلاع جذور الفساد؟ ولاسيما في وجود صراع غير متكافئ بين من يملك الدعم والقرار، ومواطن لا سند لديه، يراقب ويتفرج ويندب حظه، وقد تكون نتيجة شكواه الرفض وربما القصاص!!
ولعل ما يثير السخرية، ما يتم تداوله من أن زمن الفساد في الماضي كان أفقه أكثر ضيقاً، وأن المسؤولين الفاسدين في وقتنا الحاضر باتوا أكثر حنكة في فن التحايل والمراوغة على القانون، وأكثر جوعاً لنهب ما تيسر من أموال الوطن والناس!!
قلناها مراراً: فصول الفساد لن تتوقف باستبدال مسؤول بآخر، مادامت، في بعض الأحيان، عملية انتقاء القيادات الإدارية تحكمها الواسطة بعيداً عن الكفاءات والنزاهة، طبعاً لغياب مبدأ المحاسبة والمراقبة، ولأن هؤلاء الفاسدين يدركون سلفاً أن أسوأ ما قد يواجهونه صرفهم من مواقعهم في حال تم كشفهم!!
لنعترف أن المواطن الذي يعيش زمن الفساد لم تعد لديه مشكلة في مجاراة من يستغله ومن يطلب رشوة، خوفاً على مصلحته وتسريعاً لمعاملاته، ويبقى لسان حال الجميع يقول: هل أنا من سيغير المجتمع؟
للأسف، صارت ثقافة الرشوة واستغلال المناصب وحاجات الناس لدى البعض «شطارة»، ولذلك ندرك تماماً أن مواجهة الفساد مهمة ليست سهلة، ولكنها أيضاً ليست شعارات وكلمات منمقة، وإذا كانت هناك إرادة حقيقية للمواجهة، فلتكن الحرب معلنة بالمعطيات والأسماء الصريحة وليس بالتستر والصمت، حتى لا نظن يوماً أن لبعض الفاسدين درجات وأنواعاً!!

print