لا نريد أن نجلد الفقراء ونرميهم بالحجارة, فالكثيرون رغم صعوبة الظروف الاجتماعية والمادية التي يعانونها يحاولون العمل والتكسب ولو من بيع بسطات الخضر أو المنظفات وحتى الخردوات وجلّهم من الذين فقدوا أماكن عملهم لكن لم يفقدوا كرامتهم وماء وجههم, وهؤلاء بعيدون كل البعد عن أحوال المتسولين ويصدق في حالهم أنك تحسبهم أغنياء من التعفف. وتجد في خفايا ودهاليز المجتمع السوري الأصيل من يحافظ على القيم ويقدم الدعم للعائلات المستورة بعيداً عن الإعلام والإبهار فلا تدري يساره ما قدمت يمينه .بينما نجد شريحة جلّ أفرادها مشردون لا مأوى لهم, من الضعفاء والأطفال والنساء وحتى الكبار في السن أو من ذوي الحاجات الخاصة يمتهنون التسول مصدر دخل مريحاً وهم ضحايا ضعفهم بداية وضحايا عصابات ومافيات تستغلهم وتستقوي عليهم .
و قد استفادت عصابات التسول من الظروف غير الطبيعية التي يمر بها المجتمع لاستغلال أعداد كبيرة من هؤلاء الذين تحتاج أوضاعهم المعالجة ولاسيما الأطفال المشردين الذين فقدوا ذويهم أو الاتصال مع أقربائهم أو النساء المعنفات اللواتي يعانين من ظروف أفقدتهن الرشد وأفسدت اطمئنانهن. ولكل متسول قصة تحتاج المعالجة قبل العقاب .
وبالعودة إلى عصابات التسول فثمة شبكات تدير أعداداً كبيرة من المتسولين لا تقل إجراماً عن العصابات الإرهابية تعمل في مختلف الدروب الإجرامية من استغلال أحوال هؤلاء في تنفيذ أنشطتهم إما بترويج المخدرات أو المتاجرة بالأعضاء, إضافة إلى عمليات الخطف والقتل وغير ذلك وكان واضحاً أن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل التي يقع عليها عبء معالجة الحالات المجتمعية والظواهر المرضية غير قادرة على ضبط وملاحقة العصابات لأن ذلك ليس في مجال عملها وكان التنسيق مع وزارة الداخلية والشرطة السياحية وغيرها من الجهات المعنية أمراً أساسياً في ملاحقة هذه العصابات قبل أن تصبح لها جذور وأخاديد.. وهذه المصائب مجتمعة وجدت من يتصدى لها عبر قرار رئيس مجلس الوزراء من خلال وضع تشريعات تمكينية لمكافحة ظاهرة التسول والتشدد بملاحقة المشغلين وتوعية المواطنين بخطورة هذه الظاهرة عن طريق وزارات الأوقاف والإعلام والتربية وتوسيع الطاقة الاستيعابية ضمن كل المراكز التي تقوم وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بتقديم الخدمات من خلالها إلى الأشخاص الذين يكونون عرضة للتسول سواء على مستوى المرأة أو الطفل أو الرجال المسنين.
لكن الوقت والسرعة في مواجهة هذه الظاهرة له دور حاسم في كبح لجامها قبل أن تستفحل. والعصابات التي تدير شبكات المتسولين وتحولهم إلى مجرمين تراهن أن الروتين المعتاد والترهل في التنفيذ كاف لهدم بنية المجتمع.

print