صدعت آذاننا الجهات المعنية بالمسألة الزراعية وبالقرارات التي تتخذها باجتماعاتها بخصوص الخطة الزراعية، فنشعر بأن هذه القرارات أوصلت الفلاحين إلى بر الأمان، وأنهم لن يواجهوا أي مشكلات في زراعتهم، لكن في المقابل نلمس من الفلاحين فقدان ثقة بكل هذه القرارات، والفلاحون لديهم الكثير من المبررات لفقدان ثقتهم، فالقطن توقفت زراعته، وتلاشت زراعة الشوندر، وشركة بصل سلمية عادت للتعاقد مع الفلاحين لزراعة البصل الأبيض لكنها تبنت إجراءات تشوبها المغالطات، حتى محصول القمح الاستراتيجي دخل في مرحلة الخطر نتيجة تكرار زراعته في الأرض نفسها لأربع أو خمس سنوات متتالية، والتي أدت إلى تدني المردودية الإنتاجية، لأنه لم تعد تتوفر زراعات بديلة مربحة تؤمن تطبيق الدورة الزراعية المتكاملة، فإلى أي مرحلة وصلت المخاطر التي تتهدد الدورة الزراعية المتكاملة في محافظة حماة؟
تداعيات الخطة الزراعية
بقراءة متأنية للزراعات المعتمدة بمجال إشراف هيئة تطوير الغاب نجد أن المساحات التي تزرع بالقمح كانت تتراوح بين (51235 – 54875) هكتاراً بالسنوات الخمس الأولى للأزمة في سورية، إلا انها انخفضت إلى أن وصلت إلى (42011) هكتاراً بالموسم الزراعي الماضي، كما انخفضت مساحات القطن من (5895) هكتاراً إلى (85) هكتاراً، وكذلك الشوندر انخفضت مساحته من (6501 ) إلى (509) هكتارات، فلم تعد زراعة القطن تمثل إلا /1 % / مما كانت عليه، في حين تمثل مساحة الشوندر / 8 % / مما كانت، بينما ارتفعت مساحات المحاصيل الطبية والعطرية من (1718) هكتاراً في بداية الأزمة إلى (8224) هكتاراً بالموسم الماضي، وفي المقابل توسعت زراعة التبغ بشكل محدود وبلغت المساحات المزروعة /100/ هكتار.
ويروي المهندس بسام نشار- رئيس دائرة الثروة في مديرية زراعة حماة أن المساحات المزروعة بالقمح في مجال إشراف المديرية تراجعت من /30 / ألف هكتار في بداية الأزمة في سورية إلى
/ 22028/ هكتاراً بالموسم الماضي، بينما توقفت زراعة القطن والشوندر بشكل كامل، وقد غرق الفلاح في مشاكل البحث عن فرص لزراعة محاصيل بديلة عن القطن والشوندر، لتكون كفيلة بتطبيق الدورة الزراعية المتكاملة لمحصول القمح الاستراتيجي، إذ بات محصول القمح مهدداً بمشاكل فنية زراعية، لها وقعها المؤثر في المحصول، نتيجة تكرار زراعة الفلاحين لأراضيهم بمحصول القمح لأربع أو خمس سنوات متكررة، والذي يتسبب في تراجع المردودية الإنتاجية في وحدة المساحة.
القمح في دائرة الخطر
يُحمل المهندس غازي العزي المدير العام للهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب مخاطر تلاشي زراعة القطن والشوندر السكري على الدورة الزراعية لمحصول القمح، بأنه أدخل محصول القمح الاستراتيجي في دائرة الخطر لعدم وجود زراعات بديلة عنها كفيلة بتطبيق الدورة الزراعية المتكاملة، لأن المحاصيل البديلة المتوفرة كالمحاصيل العطرية (حبة البركة – يانسون) والثوم والفستق والمحاصيل البقولية (حمص – عدس – جلبان)غير مرغوبة لدى الفلاحين، لكونها تشبه لعبة القمار مرة تربح وتخسر ثلاث أوأربع مرات بسبب لعبة الأسعار بالسوق، مؤكداً سعي أغلب الفلاحين لزراعة جزء من أراضيهم بمحاصيل يرتبط تسويقها بمؤسسات الدولة، ولها أسعار ثابتة تحددها هذه المؤسسات، حيث تعد عودة شركة بصل سلمية للتعاقد مع الفلاحين لزراعة القزح والبادرون فرصة ذهبية للفلاحين لزراعة محصول أسعاره مضمونة ويحقق الاستقرار في الدخل.
وأشار العزي إلى أن نسبة زراعة القمح تصل سنوياً إلى /60 % / بالمساحات التي تشرف عليها الهيئة، والبالغة /82 / ألف هكتار، وإن نسبة تزيد على /20 % / من هذه المساحات تتكرر زراعتها بالقمح لثلاث أوأربع سنوات متتالية، نتيجة عدم توفر فرص مناسبة أمام الفلاحين لزراعة محاصيل بديلة عن القمح، وقد تسبب ذلك باستحالة تطبيق الدورة الزراعية المتكاملة لمحصول القمح، التي تعد من أساسيات تحقيق المردودية الإنتاجية الجيدة في وحدة المساحة، ولفت العزي إلى أن بعض الإجراءات الخاطئة لمؤسسات الدولة بالسنوات الأخيرة لها دور مؤثر في إعاقة استمرار زراعة محصول الشوندر السكري، الذي كان يكسب الفلاحين فرصة لتناوب زراعته مع القمح لتطبيق الدورة الزراعية، لاسيما أن تكرار زراعة القمح بالأرض نفسها لسنوات متتالية يؤدي إلى تراجع المردودية الإنتاجية بشكل مؤثر في الجدوى الاقتصادية للمحصول، فما معدل تراجع إنتاجية القمح ؟
40 % انخفاض في إنتاجية القمح
إذا كان الفلاح لا يملك فرصة لزراعة محصول بديل عن القمح، فإنه يزرع القمح بالأرض نفسها لسنوات، لأنه في مرحلة الإفلاس، ويجب أن يتحمل النتائج الواضحة أمام عينه، فهو على دراية بأن المردودية الإنتاجية للمحصول قد تنخفض إلى مادون تكلفة الإنتاج، والفلاح بهذه الحالة لا يبحث عن الأرباح بقدر بحثه عن ضمان استمرار زراعة أرضه، بهذه العبارات لخص الفلاح أكثم صالح من قرية أبوفرج التناقضات التي يعيشها بما يخص مشاكل الدورة الزراعية لمحصول القمح، وهذا ما أكده المهندس وفيق زروف مدير الثروة النباتية بالهيئة العامة لإدارة وتطوير الغاب، مشيراً إلى أن تكرار زراعة القمح بالأرض نفسها يؤدي إلى تراجع المردودية الإنتاجية في وحدة المساحة بمعدل / 20 % / بالسنة الثانية وتزداد النسبة إلى / 40 % / بالسنة الثالثة.
ولفت زروف إلى أن تكرار زراعة محصول القمح بالأرض نفسها يؤدي إلى إجهاد التربة وانتشار الحشائش والآفات الحشرية والفطرية كما يتسبب باستنفاد العناصر الغذائية من التربة لكون جذور النبات تنتشر بطبقة التربة نفسها بعمق / 10 – 20 / سم، علماً أن فقدان عناصر الفوسفور والبوتاس والآزوت من التربة في الإمكان تعويضه بالأسمدة الكيماوية، ولكن فقدان العناصر الصغرى ( منغنيز ) من التربة لا يمكن تعويضه بالأسمدة بالشكل المكافئ للعناصر المستنفدة من التربة، ولتجنب هذه المخاطر لا بد من اعتماد دورة زراعية متكاملة بتعاقب زراعة القمح مع محاصيل مختلفة كالقطن والشوندر والبصل والمحاصيل البقولية والعطرية، لكن أغلب الفلاحين يفضلون زراعة الجزء الأكبر من أراضيهم بمحاصيل يرتبط تسويقها بمؤسسات الدولة، ولها أسعار ثابتة تحددها تلك المؤسسات.
مقاطعة زراعة الشوندر
المهندس رفيق عاقل- عضوالمكتب التنفيذي لقطاع الزراعة قال: يتقدم الشوندر السكري المحاصيل التي يرغب الفلاحون بزراعتها بالتناوب مع القمح لتحقيق الدورة الزراعية المتكاملة، لأن مؤسسات الدولة تتكفل باستلام المحصول، وبسعر ثابت، ولكن لم تعد تتوافر الشروط المناسبة لزراعة الشوندر، لأسباب كثيرة منها الخلل في إجراءات التسويق في السنوات الأخيرة، والتي تسببت بتلف جزء من المحصول الموسم الماضي، وتدني سعر المحصول، وعدم توافر البذار المضمونة نسبة إنباته، ولفت عاقل إلى أن إحياء هذه الزراعة يحتاج إلى إعادة الثقة بين الفلاحين والمؤسسات المعنية بهذه الزراعة، ويجب رفع سعر المحصول من/40 – 45 / ليرة للكيلو ليتناسب مع التكلفة، وتوفير بذار جيد، وتنظيم عقود لزراعة المحصول قبل موعد الزراعة، وهذا يحتاج إلى قرارات جريئة من لجنة الخطة الزراعية في المواسم القادمة.
ويروي محمد إبراهيم- رئيس الجمعية الفلاحية في قرية المسحل أن توقف زراعة القطن نتيجة ارتفاع تكلفة استخراج المياه من الآبار الارتوازية، وتوقف استثمار سدود الغاب بسبب سيطرة المجموعات الإرهابية المسلحة عليها، لكون القطن محصولاً شرهاً للمياه، هو الذي جعل الشوندر محصولاً أساسياً للدورة الزراعية للقمح، ولكن المحصول يواجه صعوبات كثيرة، فالقرارات العمياء التي اتخذتها وزارتا الزراعة والصناعة لتسويق المحصول في الموسم الماضي أدت إلى تلف جزء كبير منه، وتسبب ذلك بفقدان ثقة الفلاح بالمؤسسات المعنية بزراعة المحصول، وعند مناقشة الخطة الزراعية للموسم الحالي في شهر أيلول الماضي اقترحت لجنة دراسة الخطة تعليق زراعة الشوندر، ولكن رئيس الحكومة لم يوافق على مقترح اللجنة، وتم إقرار خطة زراعته، والغريب أن الأسباب الموجبة لمقترح تعليق زراعته لم تعالج ولم تتطرق إليها أي مناقشة، فكانت النتيجة مقاطعة الفلاحين لزراعة المحصول، فعن ماذا يبحث الفلاح؟
زراعات حافلة بالمنغصات
خالد الصيادي- معاون رئيس الرابطة الفلاحية في محردة قال: أغلب مجموعات الضخ المركبة على الآبار الارتوازية في المنطقة تعرضت للسرقات، ففي منطقة محردة زهاء / 200 / بئر ارتوازية، لم يبق منها قيد العمل إلا عدد محدود، وهذا فرض واقعاً جديداً بنوعية الزراعات المعتمدة في المنطقة، فالأراضي الخصبة المروية باتت تزرع بمحاصيل بعلية كالشعير واليانسون والحمص والكمون والحبة السوداء، بسبب تعرض محركات الآبار الارتوازية للسرقة، والارتفاع الكبير بتكاليف الإنتاج لبقية المحاصيل، فتكلفة حصاد دونم القمح تتراوح بين / 6000 – 7000 / ليرة، وتصل أجرة نقلة القمح إلى مركز الحبوب من / 20000 – 35000 / ليرة، لأن مركز حبوب محردة توقف عن استلام القمح «دوغما» منذ بداية الأزمة، ويتم نقل القمح مسافة / 35 / كم إلى مراكز حبوب جب رملة والسقيلبية.
وقال المزارع عبدو غنوم من محردة عن معاناة الفلاحين في زراعة الكمون والحمص والعدس إن فقدان الأمان وتعرض هذه المحاصيل للسرقة دفع الفلاحين إلى حصاد أراضيهم واقفة على أمها فور نضجها بالحصادة الآلية ولو ذهب نصف الإنتاج هدراً في الأرض لأنه لو حصدها (شمل) وتركها في أرضها يوماً واحداً حتى تجف قد يذهب باليوم الثاني فلا يجد شيئاً من المحصول بسبب السرقات..، ويروي المزارع باسل معروف أن مباشرة «شركة بصل سلمية» قبل أيام بالتعاقد مع الفلاحين لزراعة القزح لإنتاج البصل الأبيض فتح نافذة أمل لزراعة محاصيل تستلمها مؤسسات الدولة بأسعار ثابتة، ولكن سرعان ما تبخر هذا الأمل، فإدارة الشركة أبلغت الفلاحين أن سعر شراء البصل / 120 / ليرة للكيلو، وسعر مبيع القزح للفلاحين / 350 / ليرة للكيلو، لكن بعد التعاقد واستلام القزح رفعت الشركة سعر القزح إلى / 450 / ليرة للكيلو، علماً أن سعره في السوق المحلية لا يتجاوز / 300 / ليرة للكيلو، وهذا تسبب بخسارة الفلاحين مبلغ / 24000 / ليرة بالدونم الواحد..!
الفلاح يبحث عن الاستقرار
في وصف غني بالتفاصيل يروي الفلاح يوسف محمود أن الفلاح الذي يزرع محصولاً كالحمص والعدس وحبة البركة ويمضي كل وقته طوال العام بالاعتناء بالمحصول، وعند وصوله إلى مرحلة جني المحصول نهاية الموسم يجد أن ثمن محصوله في السوق لا يعادل تكلفة إنتاجه التي دفعها خلال الموسم من تكلفة تجهيز الأرض للزراعة وثمن بذار وأدوية وتكلفة حصاد، في الوقت الذي تنتظر فيه أسرته نهاية الموسم لتوفير سيولة مادية تؤمن مونة البيت من محروقات للتدفئة ولوازم مدرسية، فهذا الفلاح لا يمكن أن تتوافر لدية الرغبة بزراعة مثل هذه المحاصيل، غير مضمونة الدخل، ولاسيما أن أغلب الفلاحين يشغلهم استقرار الدخل أكثر مما يشغلهم مقدار هامش الربح.
وأوضح محمود أن أغلب الفلاحين يفضلون زراعة أراضيهم بالمحاصيل التي تستلمها مؤسسات الدولة بأسعار ثابتة كالقمح والشوندر والبصل الأبيض والقطن والشعير، لأسباب منطقية لكونها تؤمن لهم استقراراً بالدخل يوفر لأسرهم فرص عيش آمنة على عكس المحاصيل البقولية والعطرية التي تخضع أسعارها لسياسة العرض والطلب في السوق، والتي تأثرت بشكل كبير بالسنوات الأخيرة بقرارات السماح بالاستيراد، وضعف منافذ التصدير للدول المجاورة، بالوقت الذي تسبب فيه تضاعف تكاليف النقل بزيادة تكلفة السلعة بحدود / 30 % /، ولذلك من الضرورة أن يكون لدى الجهات المشرفة على إقرار الخطة الزراعية تصور بسيط عن هذه الوضعية المعقدة للفلاحين!!؟.
وأخيراً
إن زراعة المحاصيل العطرية والبقولية لا تحتاج إلى الكثير من التكلفة والخدمات، وعمر المحصول لا يتجاوز خمسة أشهر، فلوكانت هذه المحاصيل تؤمن للفلاحين الاستقرار بالدخل لما كان أغلب الفلاحين فضلوا زراعة البصل الذي تصل تكلفة دونمه إلى / 180 / ألف ليرة، والشوندر الذي يصل عمر محصوله إلى عشرة أشهر، وتتجاوز تكلفة الدونم / 100 / ألف ليرة، فهذه حقيقة بحاجة لأن تنتبه إليها لجنة إقرار الخطة الزراعية، ومن الضروري أن تكون قرارات هذه الجهات بمستوى المخاطر التي تتهدد الدورة الزراعية، والأهم أن يؤسس تطبيق القرارات لثقة تغرس جذورها في الفلاحين.

طباعة