إعلان واشنطن عن تشكيل ميليشيا مسلحة جديدة قوامها 30 ألف مسلح في الشمال السوري لا يحتمل العنونة الإخبارية بالشريط الأحمر، ولا يثير الدهشة، فلا مفاجأة تصدّرها السياسة الأمريكية سواء في الميدان السوري أو في العالم كله، فقد استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية تقديم نفسها بصورة إمبريالية لا انتهاء لصلاحيتها، وتاريخها حافل -رغم كل ادعاءاتها بالديمقراطية، واحتفالياتها بحقوق الإنسان والمساواة بين البشر- بتصدير الشرّ وارتكاب الجرائم بحقّ الشعوب فمازالت آثار جرائمها في «هيروشيما» و«ناغازاكي» وفيتنام وكوريا وكمبوديا وأمريكا اللاتينية وأفغانستان ويوغسلافيا شاهدة، ليستمر مسلسل الشرّ الأمريكي بتقديم الحلقات من العراق وليبيا واليمن، وفي سورية من الطبيعي ألا يختلف الأداء الأمريكي في طرح نفسه دائماً قوة إمبريالية «عظمى».
ولو حاولنا تقديم جردة سنوية، فقط، لما ارتكبته واشنطن من أعمال إجرامية في سورية فلن يكون من الغريب آليات الشرّ المتّبعة من أمريكا وعصبتها، حيث اعتمدت منذ تكوين الجنين (الفكرة) في الحرب على سورية على ركيزتين أساسيتين «داعش والنصرة» ومفرزاتهما من تنظيمات مسلّحة، وأياً كانت المسميات والتوصيفات، فإن الوجوه واحدة لأدواتها، ومخططاتها باتت واضحة، وأوراق اللّعب مكشوفة الصور، وما خلف خطّ الفرات يشي بأن واشنطن مستعدة لرفع سقف المواجهة والمراوغة باللّعب حتى آخر «وجه تنكري» يمكن أن تستخدمه.
وها هي اليوم تقوم بعملية تدوير إرهابيي «داعش» ومرتزقته، وتقديمهم بعد حلق ذقونهم لأداء دور «داعشي» جديد، سيتولى فيه المأجورون من بعض الأكراد التغطية السياسية لحسابها.
في سورية، العام المنصرم، ما فتئت أمريكا تمدّ مايسمى «قوات سورية الديمقراطية» بالسلاح، وزيادة عديدها بكل ما يلزم لتكون صاحبة «ثقل سياسي وعسكري».
في سورية، قامت أمريكا بزيادة عدد قواعدها في المناطق التي تسيطر عليها «قسد».
في سورية، تمّ تدمير مدينة الرقة عبر تطبيق أنموذج عين العرب والرمادي بالقصف السجادي الذي جعلها مدينة من ركام، واستحضار عناصر من الكرد بدل «الدواعش» للقيام «بإدارتها»، ورعاية انسحابهم وتجميعهم للقيام بعمليات التفاف وإعاقة في معركة الشرق السوري، وتمّ أيضاً فضح الأمريكان، حيث وثّقت وسائل إعلام عالمية- «BBC» مثلاً- عمليات نقل وترحيل متزعمين «دواعش» من الرقة والموصل والأنبار بالطائرات الأمريكية إلى سيناء وليبيا.
كل هذا وأكثر مارسته الولايات المتحدة الأمريكية أملاً في إحياء المشروع الأمريكي القديم بتحقيق كيان الفصل ما بين سورية والعراق، كياناً يقاتل بالنيابة عنها وتدمّر به الشرق.
ولأنه ما عاد لـ«الدواعش» نصيب بأن يكونوا «أزلام» حرب اليوم، أضحت أمريكا تبحث عن «جيش» جديد يستوعب «دواعشها»، ويتم دمجهم مع من يحالفهم من بعض الأكراد ليكونوا الوسيلة لتحقيق حلمها.
لذلك، ولأن واشنطن باتت مفضوحة السياسة من محور المقاومة، فهزيمتها ستكون (قاب قوسين ومعركة)، ومرتزقتها اليوم -أياً كانوا- سيتلقّون الهزيمة لا محالة، والرهانات الأمريكية المتداخلة والمعقّدة في الأزمة في سورية، بالتزامن مع تضييق خيارات واشنطن، ستجعلها في مهب ريح الدولة السورية وحلفائها، حيث وجودها غير شرعي، وأيديها ملطّخة بالدم السوري، وسياستها لم تكن يوماً إلا لتحقيق الدمار والخراب.
m.albairak@gmail.com

::طباعة::