آخر تحديث: 2019-11-13 12:32:31
شريط الأخبار

سيف واشنطن المكسور في الحرب مع إيران

التصنيفات: رؤى عربية

فور اندلاع التظاهرات في إيران مع نهاية العام 2017 وبداية العام 2018، هللت واشنطن وحلفاؤها الإقليميون، وسارعوا إلى الحديث عن الربيع الفارسي، في مقابل الربيع العربي البائس، لكن رياح الأحداث جرت بما لا تشتهي سفنهم، فقد نجحت إيران في التعامل مع الحدث، وأقول نجحت حيث فشل الجميع، وهذا هو النجاح العاشر لأمة أدمنت النجاح في وجه المخططات الأمريكية في المنطقة.
فما هي نجاحات إيران الأخرى في حربها الطويلة مع من سماهم الإمام الخميني «الشيطان الأكبر».
النجاح الأول كان عام 1951، كان عبر الثورة الإيرانية الأولى، ووصول محمد مصدق إلى منصب رئاسة الوزراء، صحيح أن واشنطن استطاعت إسقاط مصدق عبر عملية أجاكس التي قادها شوارزكوف الجد، وهو هربرت نورمان شوارزكوف، ويختلف عن نورمان شوارزكوف الابن، بالإنكليزية (Norman Schwarzkopf, Jr) الذي قاد عملية عاصفة الصحراء إبان الغزو العراقي للكويت عام 1991، غير أن الثورة الإيرانية الأولى التي أدت في حينه إلى فرار الشاه محمد رضا بهلوي مع زوجته الأولى ثريا في آب 1953 كانت فاتحة لثورات أخرى في إيران، فقد تكرر الأمر في مظاهرات الستينيات ضد الشاه التي كان الإمام الخميني من المشاركين فيها في شبابه، ومن بعد ذلك في السبعينيات حيث تعلم الإيرانيون من الدرس المصدقي(نسبة إلى محمد مصدق) وهذه المرة طردوا الشاه وحكمه الأمريكي- الصهيوني إلى الأبد من إيران.
النجاح الثاني لإيران تمثل في قيام الثورة الإسلامية عام 1979، وهي الثورة التي هزت المنطقة وغيرت ملامح الشرق الأوسط إلى الأبد، فقد كانت هذه المنطقة حكراً على السياسات الأمريكية التي تحكمت في كل شيء تقريباً، خصوصاً في منطقة الخليج، لكن قادة إيران تمكنوا من هزيمة واشنطن ليس فقط عبر إسقاط الشاه بل أسسوا للنجاح الثالث والذي تمثل في نجاحهم في حروب الاستخبارات مع واشنطن، بدءاً من عملية احتجاز الرهائن/ الجواسيس الأمريكيين في السفارة الأمريكية بإيران وصولاً إلى النجاح الرابع في الحرب العراقية الإيرانية، وهي حرب خاضتها أمريكا بالوكالة عبر العراق ضد إيران، لكن إيران عرفت كيف تصبر وتصمد وتنتصر في النهاية.
النجاح الإيراني الخامس كان في المواجهة المفتوحة مع «إسرائيل» في لبنان وفلسطين المحتلة فقد تحولت إيران إلى لاعب قوي، إن لم يكن الأقوى على حلبة الصراع العربي- الإسرائيلي، صحيح أن إيران ليست بلداً عربياً، لكنها أعربت عن أعلى درجات العروبة في هذا السياق.
لم تتوقف النجاحات الإيرانية هنا، لكنها استمرت فقد نجح الإيرانيون في مجابهة الحصار الأمريكي الخانق وحولوه إلى فرص ومن يتابع أطر الحياة العلمية والاقتصادية داخل إيران يدرك مدى المعجزة التي حققها الإخوة الإيرانيون في هذا المجال.
النجاح النووي كان الأبرز وقد أعقبه النجاح في الحرب السورية واليمنية والعراقية ضد «داعش» والمحور الداعشي الممتد من كهوف الأنبار إلى مقر المخابرات المركزية الأمريكية.
لذلك لم يكن النجاح في التعامل مع الاضطرابات الأخيرة غريباً على قادة الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وهنا ربما تستعرض بشيء من التفصيل هذه الأحداث، ولماذا نجح الإيرانيون حيث فشل الجميع في هذه المعركة؟.
فاجأت الأحداث الأخيرة في إيران الكثير من المتابعين، فقد اعتقد البعض أن إيران مستقرة أكثر من جميع دول المنطقة تقريباً، وتالياً لا مجال للحديث عن ربيع إيراني على غرار الربيع العربي، في حين اعتقد فريق آخر أن الربيع الإيراني قد بدأ بالفعل، وكان هذا الفريق على خطأ، فقد انتهت الأحداث بأسرع مما توقع، وعاد الجميع إلى مربع الاستقرار في إيران.
ومن الناحية الواقعية تعدّ هذه الأحداث أقل بكثير من تلك التي شهدتها إيران في العام 2009 عقب إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد لفترته الرئاسية الثانية، كما أنها أقل من تظاهرات طلبة الجامعة في إيران عام 2002، إذاً فما هو المختلف في الأمر؟؟
في الحقيقة، إن الرهان الأمريكي الكبير على هذه الأحداث والأجواء الإقليمية الملبدة بغيوم الحروب والتوترات قد رفعت سقف الدعم الغربي، أقله الإعلامي، لهذه الاضطرابات.
هنا لابد من أن نذكر العوامل التي أدت إلى الفشل الأمريكي هذه المرة وأهمها:
– تدار الولايات المتحدة الأمريكية من قبل إدارة حمقاء، متقلبة تلعب بها مجموعة من الغلمان أشباه كوشنر وبن سلمان ومجموعة الفتيات القاصرات من بنات وحفيدات ترامب، هذه الإدارة تنقصها الحكمة الكافية والرؤية الصحيحة لفهم ما يجري في بلد كبير وعريق، وغامض مثل إيران، وعلى سبيل المثال تعدّ التظاهرات أمراً يومياً وعادياً، بل مألوفاً في الحياة السياسية الإيرانية وربما لا يوجد مواطن إيراني واحد لم يخرج للتظاهر سواءً مع أو ضد حكومة بلاده، وهذا التقليد في الحياة السياسية الإيرانية يعود لأواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، منذ أيام ثورة التبغ وثورة المشروطة الدستورية وغيرهما في إيران، وقد لا يعلم ترامب ومن معه، بل أجزم أنه لا يعلم أن إيران هي أول بلد ينتخب برلماناً ويضع دستوراً في تاريخ آسيا كلها، للتذكير حصل هذا بين أعوام 1905- 1910.
– صحيح أن إيران تضم عشرات القوميات والأعراق، لكنها موحدة بالمعنى الديني المذهبي، فالعامل الديني الذي شكل ويشكل عقب أخيل في الكثير من الدول بما فيها تلك المتحضرة، أقول هذا العامل يشكل نقطة قوة لإيران التي ينتمي أكثر من 90% من شعبها للمذهب الشيعي «الاثنا عشري»، وهو مذهب استطاع إغلاق باب الفتن الدينية داخل تركيبته لأنه لم يغلق باب الاجتهاد، كما أنه لا يجيز تقليد الفقهاء الأموات، فضلاً عن ذلك، فإن المجتمعات الشيعية تتمتع بتراتبية هرمية ذات سلطة أدبية قادرة على الأمر والنهي، وقد بدا ذلك جلياً عندما صدرت فتاوى السيد محمد حسن الشيرازي (و كان مقيماً في سامراء العراق) عام 1891 بتحريم استعمال التبغ في إيران، وقد قهر الإنكليز بفتوى من عبارة واحدة(1) «استعمال التنباك والتوتون بأي نحو كان، بحكم محاربة إمام الزمان عجل الله فرجه»، وهو المرجع نفسه، الذي أفتى مع بقية مشايخ أهل العراق بالقيام بثورة 1920 في العراق، وهي الثورة التي تعانقت وتعاونت فيها كل الطوائف العراقية وشكلت كابوساً للإنكليز.
– الجوار الإيراني ذو توجه إسلامي، سواءً في تركيا أو الباكستان، وهذا الجوار متطور علمياً ويتمتع بحالة استقرار سياسي نسبي تمنع واشنطن من إملاء إرادتها عليه، وهو تالياً لن يجري خلف مخططات واشنطن لزعزعة استقرار إيران كونه سيكون هو التالي، كما أن مصالحه ترتبط مع إيران بصورة وثيقة وعلى كل المستويات السياسية، الاقتصادية والاستراتيجية.
– روسيا الحالية ليست سوى قوة عظمى تريد أن يكون لها دور كامل في العالم وهي تعدّ أن أمن إيران واستقرارها يشكلان أولوية قصوى لها ولأسباب عديدة، وهي تالياً لن تسمح بانهيار منظومة الأمن والاستقرار في الجمهورية الإسلامية مهما كان الثمن.
– تركيبة النظام السياسي الإيراني، الذي يتمتع بهيئات متنوعة لاتخاذ القرار، وهي مجلس خبراء القيادة، ومجلس صيانة الدستور، ومجمع تشخيص مصلحة النظام، ومجلس الشورى الإسلامي، إضافة إلى الحكومة التي تضم كفاءات وخبرات مشهوداً لها، وتالياً فإن هذه التركيبة تعرف كيف تتعامل مع الحالات الطارئة والمستجدات السياسية والأمنية.
– الشعب الإيراني، وهو شعب مسيّس من رأسه حتى أخمص قدميه، ويريد المحافظة على إنجازاته الكبيرة سواء في مجال السياسة أو الاقتصاد أو العلوم وفي المجال النووي، لذلك فإنه لن يساق إلى حيث يريد أعداؤه، نعم يريد الإيرانيون ككل شعوب العالم حياة أفضل واقتصاداً أكثر ازدهاراً ولكن ليس حسب الوصفة الأمريكية – السعودية.
– التدخل الأمريكي والسعودي والإسرائيلي العلني في الأحداث الأخيرة فضح هوية بعض المخربين الذين نزلوا إلى الشارع وقاموا بالاعتداء على رجال الأمن والمحلات التجارية والمصالح العامة ومنذ اللحظات الأولى، في حين إنه سجلت حوادث قليلة جداً لا تذكر من هذا النوع في أحداث العام 2009 وقد كانت أضخم من أحداث العام 2017 وأطول أمداً بكثير.
وبالعودة لاحتجاجات العام 2017-2018، فإنها لن تشكل خطورة حقيقية على إيران، لكنها قد تكون فرصة، لكل من القيادة والشعب في إيران، كي يتم تدارك الأخطاء، وإعادة تحديد الأهداف المشتركة للدولة والمجتمع معاً، من المؤكد أن إيران قطعت شوطاً كبيراً ومهماً في عملية الانتقال من مرحلة الثورة إلى مرحلة الدولة، لكنها بحاجة للمزيد، وأعتقد أن قادة إيران الذين لديهم مجمع تشخيص مصلحة النظام، أعتقد أنهم قادرون على تحديد وتشخيص ماذا يريد شعبهم وكيف يكيفون الأهداف العليا للدولة مع الأهداف المطلبية للشعب وللمجتمع في إيران.

(1) العبارة باللغة الفارسية

طباعة

التصنيفات: رؤى عربية

Comments are closed