أربع ساعات كاملة هي المسافة الزمنية التي استغرقناها بين نقطة البداية من مدينة حماة حتى منطقة «أبو الضهور»، مروراً بناحية سنجار في ريف معرة النعمان الشرقي من محافظة إدلب، وعلى مدار الأيام الأخيرة احتلت المنطقتين الشرقية والجنوبية من إدلب اللتين تضمان ناحيتي «سنجار» و«أبو الضهور» بذات اهتمام وأنظار العالم برمته بسبب الانتصارات التي يحققها الجيش العربي السوري على المجموعات الإرهابية المتطرفة، ووقوع مطار عسكري في جهتها الشرقية، ما أكسبها أهمية استراتيجية.
ورحلة «تشرين» الإعلامية هذه مكنتنا من رؤية منطقة سنجار وأبي الضهور بحصونها الطينية الشامخة وحقولها الزراعية الجدبة، وهي في لحظة انسجام عاطفية نادرة، فاتحة أذرعها وصدورها لزخات المطر تارة، ولانتصارات الجيش العربي السوري المشرفة تارة أخرى، التي ترتمي وسطها بشوق ولهفة لا توصف.. والتصقت حركات أعيننا بمباني منطقة «سنجار» وحبات المطر تنساب على جنبات جدرانها يكسوها رداء مبلل، عاكسة ألواناً قزحية غاية في الروعة.

سويعات عبرت بناء مناطق وقرى وادي سنجار، ومدينته التاريخية النائمة بدلال في حضن حقول القمح العطشى تبادلنا أطراف الحديث -بالعيون طبعاً- مع مصنعة سنجار التاريخية بلغة التاريخ والأمس الخالد.
وتواصلت رحلة الاندهاش والإعجاب في حضن ذلك الوادي وروعة مبانيه الطينية والمباني الحديثة المتفرقة على تلال ومرتفعات وسط الوادي وعلى ضفافه، وغمرتنا بحب وعطف وكرم انتصار الجيش على الإرهاب في تلك المنطقة.
وفي ناحيتي أبي الضهور وسنجار استمتعنا بمناظر أشجار الزيتون وهي تتعانق مع قباب الحصون القديمة، وعرفتنا بحكايتها الطويلة مع تلك المساحات التي تشتهر بزراعة القمح في سنجار، لهذا يطلق عليها اسم «سلة إدلب الغذائية» التي استأمنت النوم على حقول من سنابل، ولاحقتنا بنظراتها الترحيبية حتى أوصلتنا مدينة أبي الضهور التي يكتب اليوم فيها الجيش العربي السوري ملاحم العزة والبطولة والفداء، واستمعنا من نوافذ وأبواب وقباب وسدد حصونها العتيقة إلى شكواها المُرة من غزو الإرهاب وحصار المجموعات الإرهابية المتطرفة لها من كل الاتجاهات.
وفي منطقة سنجار لمسنا بصدق مدى التوافق والوئام بين مبانيها القديمة والحديثة، والتصاق الماضي والحاضر بتوحد روحاني غريب، وهناك في «أبي الضهور» المدينة التي ضاق صدرها بالمجموعات الإرهابية، وفرحت وهلّلت بصمود وبطولة وانتصارات الجيش العربي السوري الذي جاءها مخلصاً ومحررها من الإرهاب، ومن هناك أيضاً تغزل ناظريك تلك القرى المتفرقة وسط وعلى ضفة البادية الشرقية والمساحات الزراعية الشاسعة.
«أبو الضهور» تنفض غبار الإرهاب
مدينة «أبي الضهور» التي عانت على مدار السنوات السبع الماضية من ويلات الإرهاب والمجموعات المتطرفة تقع إلى الشرق من مدينة سراقب بـنحو /27/كم، وتبعد عن «إدلب» المدينة /50/كم باتجاه الشرق، وهي بوابة المحافظة على البادية السورية تتوضع في منخفض محوط بالتلال وهي «تل الزفر» و«تل سلمو» و«تل حميمات الداير» و«البراغيثي»، وتبلغ مساحة البلدة /26/ مليون م2، ومساحة المخطط التنظيمي /415/ هكتاراً، وعدد سكانها قبل الحرب وصل إلى /14614/نسمة وفي سنوات الحرب وصل عدد سكانها إلى 30 ألف نسمة بسبب الأسر المهجرة والوافدة من المحافظات الشرقية والشمالية.
تشتهر البلدة بزراعة الحبوب ولاسيما القمح والشعير، وبتربية المواشي، حيث بلغ عدد الرؤوس المعدودة /26/ألف رأس غنم حسب إحصائية العام 2008 لمديرية الزراعة في إدلب، وقد اتجه السكان حديثاً لزراعة الأشجار المثمرة ولاسيما الزيتون.
وعن سبب التسمية تقول مصادر مطلعة في المجلس البلدي لـ«أبي الضهور»: بعض الروايات تقول: إنها جاءت نتيجة وقوعها في منخفض محوط بالتلال «تل الزفر» و«تل سلمو» و«تل حميمات الداير» و«البراغيثي»، وهناك تسمية قديمة أخرى وهي «أم الزهور»، فيقال: إن البلدة كانت جنة على الأرض مكسوة بالخضرة والبساتين وغنية بالينابيع التي جف بعضها منذ فترة قريبة كعين أبي الضهور ونبع «الشيخ فارس» و«وادي الجفر»، وكانت المياه سطحية تجدها على عمق ثمانية أمتار فقط.
وحسب مصادر رسمية ففي البلدة عشر مدارس للتعليم الأساسي وثانوية واحدة مختلطة، ورغم ذلك فهي تعاني من الأمية بشكل كبير، فالمتعلمون فيها لا يتجاوزون الـــ30% من السكان، وأهم ما يميز «أبي الضهور» الألبان والأجبان ومشتقاتها، فهي تنتج كميات كبيرة وبنوعية ممتازة، ما يجعل تجار المدن والمحافظات المجاورة يأتون للتسوق منها، فألبان وأجبان «أبي الضهور» هي الأشهر في محافظة «إدلب» وكذلك «حلب» و«حماة».
سنجار تصلي صلاة انتصار الجيش على الإرهاب
منطقة سنجار التي صلّت اليوم إلى جانب صلاة الاستسقاء صلاة النصر للجيش العربي السوري على الإرهاب كانت قبل سنوات توفر العمل للمئات من العمال، وتنتج مختلف أنواع الخضر والحبوب، فأراضي سنجار الغنية بالحبوب تمتد إلى حدود الشمس، وقد اتشحت اليوم بالسواد بسبب الإرهاب الذي نال منها.. فالأرض أجدبت، وبالكاد تصارع مختلف أشجار الكروم والزيتون من أجل البقاء، بينما انقرضت الكثير من الزراعات، وأصبح السكان يقطعون عشرات الكيلومترات من أجل الحصول على نقطة مياه شرب.
وحسبما أشار المهندس نجيب طباع مدير الزراعة في إدلب فإن ناحية سنجار تبلغ مساحتها الإجمالية 64740 هكتاراً منها قابلاً للزراعة مساحة 45218 هكتاراً، وهي في الوقت نفسه مستثمرة، أما المساحة المروية منها فهي 1901 هكتار، في حين بلغت مساحة البعل فيها 43317 هكتاراً، منها سليخ بعل 38393 هكتاراً، ومشجر بعل 4924 هكتاراً، بينما الأراضي القابلة للزراعة تبلغ مساحتها 5367 هكتاراً، تتوزع على أبنية ومرافق 2714 هكتاراً وأراض صخرية ورملية 2653 هكتاراً، في حين تبلغ مساحة المروج والمراعي 14155 هكتاراً.
ولفت إلى أن ناحية سنجار تتميز بانخفاض معدل هطل الأمطار فيها، حيث يبلغ المعدل العام لهطول الأمطار فيها 298 مم، وهي تقع في منطقة الاستقرار الثانية والثالثة، كما تتميز بتربة زراعية متوسطة الخصوبة، ففيها تبلغ المساحة المزروعة بالأقماح 9846 هكتاراً، أما الشعير 17081 هكتاراً، وعدس 6183 هكتاراً، شوندر 40 هكتاراً، بطاطا ربيعية 40 هكتاراً، زيتون أربعة آلاف هكتار، فستق حلبي 1100 هكتار، لوز 30 هكتاراً، ونوه بأن سنجار تمتلك ثروة حيوانية كبيرة، ففيها 660 رأس بقر، 177630 رأس غنم، و11025 رأس ماعز.
وقال: تعاني منطقة سنجار عدة مشكلات زراعية تتلخص في الجفاف وقلة الأمطار الذي يؤثر سلباً في المحاصيل المزروعة، ما يؤدي إلى رعي قسم كبير من المساحات المزروعة بالقمح والشعير، وقلة عدد آبار الري المستثمرة من قبل الحزام الأخضر لري الأشجار المغروسة حديثاً، وانخفاض مستوى المياه في آبار الري المحفورة لكون هذه الآبار سطحية، ولأن القسم الأكبر من السكان يعتمد على الثروة الحيوانية فإن هناك ارتفاعاً في أسعار الأعلاف، إضافة إلى قلة وسائط النقل بين قرى المنطقة.
يشار إلى أن المطحنة التي بنيت في ناحية سنجار تعرّضت للسرقة على أيدي المجموعات المتطرفة، حيث أقدمت على تفريغها من جميع محتوياتها، جاعلة منها مستودعاً لأدوات إرهابها وأسلحتها، وهي بطاقة طحنية مقدارها 500 طن قمح يومياً، وبجوارها صومعة بيتونية طاقتها التخزينية 100 ألف طن قمح موضوعة في الاستثمار منذ عدة سنوات، والمطحنة الواقعة في منطقة زراعية مشهورة بإنتاج الأقماح تمر فيها سكة قطار تخدم المطحنة بإيصال الأقماح إليها من محافظات القطر، وبشحن الدقيق المنتج لمحافظات أخرى، وتكلفة بناء هذه المطحنة أكثر من مئة مليون ليرة سورية، ونظراً لأهميتها كمشروع اقتصادي حيوي كان يمكن أن تؤمن العديد من فرص العمل لأبناء المنطقة.
«السلة الغذائية»، هكذا كانت تكنى سنجار نظراً لكثرة ما تنتجه من قمح رغم أنها متاخمة للبادية السورية التي لا زرع فيها ولا شجر، لكن الأمر لم يعد كذلك بعد أن عصفت الحرب بقمح «سنجار»، فأحرقت بعض حقوله على يد «الإرهاب الأسود»، قبل أن تقع بعض مساحاته في قبضة التنظيمات الإرهابية المسلحة التي أتت على الأخضر واليابس.
وصارت أرض إدلب الخضراء، سوداء بفعل سحب الدخان المتصاعدة نتيجة الحرب والتفجيرات، وقد ساهم التصحر وعدم هطل الأمطار، وهجرة المزارعين ونزوحهم عن أراضيهم، في انحسار المساحات الزراعية وتدميرها بشكل كامل أو جزئي في بعض المناطق.
وقالت مصادر زراعية: إن العصابات الإرهابية سيطرت على مدن المحافظة منذ ثلاث سنوات تعد الأهم للقطاع الزراعي، ولاسيما معرة النعمان وسنجار وأبي الضهور وجبل الزاوية وجسر الشغور، ما أفقد سورية نسبة لا يُستهان بها من معدلات الإنتاج الزراعي سواء للقطاع الزراعي أو الحيواني.
كما أن سيطرة «الإرهاب الأسود» على سنجار وأبي الضهور أدى إلى تراجع معدلات إنتاج الحبوب الاستراتيجية، أي القمح والشعير والذرة، إلى النصف تقريباً، وقالت: «إن منطقتي سنجار وأبي الضهور وحدهما تؤمنان للمحافظة نحو 40% من مجموع محاصيل المحافظة من القمح والشعير، وبعد العمليات الإرهابية التي تعرضت لها تلك المناطق انعدم جزء كبير جداً من تلك المحاصيل المهمة».
غير أن عناصر «المجموعات الإرهابية المتطرفة» قضت على جزء كبير من الثروة الحيوانية، التي كانت تتركز في سهل سنجار وأبي الضهور.
مزارعون كثر في المنطقة كانوا يعيشون حياة كريمة من زراعة القمح حتى هددهم إرهابيو المجموعات المتطرفة، وأعلنوا أن أراضيهم في المنطقة أصبحت من ممتلكاتهم تحت ذريعة أنهم موالون للدولة السورية.
اليوم وبعد طرد الإرهابيين من الجزء الشرقي الجنوبي من ريف إدلب على أيدي الجيش العربي السوري، وبعد حالة الرعب التي استمرت ثلاث سنوات تحت حكم «الإرهاب الأسود» بعد سيطرته على المنطقة التي تعدّ قلب الزراعة في إدلب والشمال السوري، دمرت المزارعين، وأدّت إلى تفاقم مشكلة نقص الغذاء في المنطقة.
ويخشى المزارعون اليوم من أن يستغرق الأمر سنوات حتى يتمكن قطاع الزراعة من التعافي مع فقدان الجرارات الزراعية وغيرها من مستلزمات العمل الزراعي، ووجود ألغام لم تنفجر في الحقول، وتضرر المجمعات الزراعية بسبب تخريب الإرهابيين الذين عمدوا إلى بيع سلع أساسية مثل القمح لتمويل عملياتهم.
وكانت المنطقة الجنوبية والشرقية أكثر المناطق الزراعية إنتاجاً في إدلب قبل وصول المجموعات الإرهابية المتطرفة الذين يقدمون على محاصرة المزارعين بشكل عام ومنعهم من الذهاب إلى الحقول وزراعة أرضهم خشية أن يهربوا أو ينضموا إلى القوات الأمنية».
سرقة وخسائر زراعية فادحة
تكبد القطاع الزراعي في منطقتي «أبي الضهور» وسنجار خسائر باهظة، منها تدمير مساحات كبيرة من الأراضي، ونهب مخازن الحبوب والمحاصيل، بعد سيطرة المجموعات الإرهابية المتطرفة على العديد من المناطق الزراعية وتخريبها، وما ضاعف من الخسائر عمليات الإرهاب التي مارستها المجموعات المتطرفة.
فالزراعة في ظل «الإرهاب الأسود» باتت مدمرة، ويعاني فلاحو المحافظة من تخريب آلياتهم الزراعية بسبب الحرب، وفقد هذا القطاع أي متابعة أو اهتمام من الدولة في مناطق خفض التوتر، كما فقد الدعم المالي والتقني ومده بالآلات الحديثة، فباتت الزراعة في مرمى ثلاث «فوهات» هي: «داعش»، و«النصرة» و«الجيش الحر» حسب المزارع خليف المحيميد.
وقال المحيميد: «إن خسائر الزراعة بالدرجة الأولى جاءت من سرقة المجموعات الإرهابية ملايين الليرات وأطناناً من الأسمدة الزراعية من المصارف الزراعية في مناطق المحافظة وخاصة الزراعية وغيرها، كما استولت على المحاصيل الزراعية، أبرزها الحبوب والشعير، وقد شهدت الحدود التركية تهريب مئات الآلاف من الأطنان من المخازن التي هرّبتها المجموعات الإرهابية إلى تركيا، وقامت «المجموعات الارهابية» بالاستيلاء عليها عقب السيطرة على هذه المناطق، ونقلها إلى مستودعاتها، وعدّتها غنيمة حرب.
وأشار الخبير الاقتصادي الدكتور مصعب العلوش إلى أن الزراعة تواجه كارثة حقيقية، بسبب طول أمد الحرب التي تدمر الأخضر واليابس، ما تسبب في خسارة نحو 50% من مجمل الأراضي الزراعية التي تعتمد عليها، موضحاً أن أكبر المناطق المنتجة للقمح والشعير في إدلب هي أبو الضهور وسراقب وتفتناز وسنجار، تنتج ما يقدر 50% من الناتج المحلي للحبوب في المحافظة.
وكانت مصادر زراعية مطّلعة، أكدت في تصريحات صحفية بعد دخول قوات الجيش العربي السوري إلى ريف إدلب، أن المجموعات الإرهابية المتطرفة سرقت خيرات الإنتاج الزراعي وأن العمليات الإرهابية دمّرت بعض الأراضي الزراعية، ما أدى إلى تقليص المساحات المزروعة في إدلب وغيرها من المحافظات السورية التي تعرضت لإرهاب المجموعات المتطرفة.
الزراعة ضحية الإرهاب
من أتيح له الاطلاع على ما فعله الإرهاب في الأراضي الزراعية لابد من أن يقر بأن المزارعين كانوا الأكثر تضرراً من تدمير ونهب القطاع، حيث لحقت بهم خسائر كبيرة من جراء فقدانهم أجزاء كبيرة من أراضيهم وسرقة مخازينهم.
وفي هذا الإطار، قال فيصل النعسان أحد مزارعي منطقة أبي الضهور: إن إدلب التي كانت تصدر منتجاتها الزراعية لكل المحافظات باتت تستورد كل شيء من الخضراوات والفواكه، ونحن حين نتناول تلك الخضراوات نشعر كأنها ألياف زراعية وليست خضراوات، لأن المنتج الإدلبي معروف بطعمه ونكهته، في حين يستخدم مزارعو دول الجوار كتركيا الأسمدة الزراعية في زيادة سرعة النمو والإنتاج، وهذا يفقد المحاصيل الزراعية المذاق الطبيعي».
أما المزارع صطوف العبسي فقال: «إن مناطق إدلب تعيش واحداً من أسوأ مراحلها في التاريخ بالنسبة للزراعة، بسبب الممارسات التي ارتكبتها المجموعات الإرهابية المتطرفة خسائرنا كبيرة بعد استيلاء «المجموعات الإرهابية المتطرفة» على الآليات، وتصاعد المعارك في مختلف أنحاء المحافظة، وباتت مناطقنا تعيش أجواء حرب لا زراعة ولا حياة فيها»، موضحاً أن المزارع خسر الأرض والناتج الزراعي خلال سيطرة المجموعات الإرهابية المسلحة، وتحوّل المزارعون من منتجين إلى مستهلكين يشترون الخضراوات والفواكه، ما ينذر بكارثة زراعية.

print