في كل عام تتكرر مشكلة التحطيب الجائر من أجل التدفئة في اللاذقية، رغم أنه تم استدراك مشكلة المازوت جزئياً، والعامل الأساسي في استمرار المشكلة هو عدم قدرة الكثير من أصحاب الدخل المحدود، على شراء مثلاً (200) ليتر بـ 37 ألف ليرة سورية، فهي منهكة لهم لذلك يعتمدون التدفئة بالحطب ولاسيما في المناطق الجبلية القاسية، وهناك قسم آخر يتجه للتحطيب لتأمين مصدر رزق مساعد لهم، وآخرون يلجؤون للتحطيب من أجل التفحيم لأغراض تجارية، على حساب الغابات والمواطنين القاطنين بجانب هذه الغابات الذين سمح لهم قانون الحراج رقم (25) لعام 2007 بالانتفاع من الغابات المجاورة لهم للاستفادة من الأحطاب اليابسة ونواتج تقليم الغابات التي تقوم بها دائرة الحراج، والاستفادة من الأخشاب اللازمة لصنع الآلات الزراعية، وهناك تهديد آخر لثروتنا الحراجية من خلال لا مبالاة البعض بإلقاء أعقاب السجائر وهم يحتطبون أو إهمال بعض الزوار والسواح لغاباتنا بعدم التأكد نهائياً من إطفاء مواقد الحطب التي يستعملونها لإنضاج طعامهم وشرابهم، وهناك آخرون يفتعلون الحرائق لمصالح شخصية، وأيضاً تحدث حرائق أحياناً بسبب انبعاث شرارات كهربائية من خطوط التوتر الكهربائي المارة فوق الغابات.. «تشرين» تابعت هذه الوقائع مع المعنيين والمواطنين الذين يستفيدون من التحطيب كمصدر معيشة ومع مَن يشترونه للتدفئة.
عادة قديمة
فقد أشار المواطن ن. أ إلى أن أغلب سكان المناطق الريفية الجبلية ذات الطبيعة الجغرافية القاسية كانوا فيما مضى وإلى الآن يستخدمون الحطب للتدفئة، بحكم مناطقهم الباردة التي لا يكسر برودتها إلا الحطب، أو يستخدمون المازوت بكميات كبيرة ليشعروا بالدفء، وأغلب سكان هذه القرى يعتمدون على الزراعة المحلية بشكل رئيس، واعتادوا تأمين كل وسائل المعيشة منها، كالحطب للتدفئة، ومرعى لمواشيهم، وهذه العادات استمرت منذ القديم إلى الآن، وأنا أقطن بالمدينة وعندما أقوم بزيارة أهلي أعود لتلك العادات التي تعطيني إياها مدفأة الحطب.
وكذلك المواطن ح. ش أشاد بأن التدفئة على الحطب أفضل من المازوت من الناحية المادية والاستهلاك والشعور بالدفء في قرانا الباردة، فاستهلاكنا للمازوت في فصل الشتاء ما يقارب (600) ليتر أي ما يعادل (110) آلاف ليرة سورية، بينما يبلغ سعر طني الحطب (50) ألف ليرة سورية، وما يختلف الآن عما مضى أن السكان الذين كانوا يعيشون بالقرب من الغابات، يحتطبون فقط لحاجتهم الخاصة من تقليم واقتطاع الأشجار لتأخذ الأراضي حاجتها من الشمس والبرد، وكانوا يحافظون على الغابة لأنها مصدر معيشة لهم، أما الآن ومع تغيير الظروف المعيشية القاسية، فقد لجأ البعض للاحتطاب من أجل التجارة، وقسم ضئيل يحتطب لحاجته فقط.
جزء من تاريخنا
فيما قال المواطن م. م نحن من السكان الذين يقطنون المناطق الجبلية الذين استفادوا من قانون الإصلاح الزراعي، حيث استصلحنا بعض الأراضي لزراعتها بالزيتون والأشجار المثمرة وبعض المحاصيل الغذائية، ولا يمكن أن نفكر بتخريب ما استصلحناه أو الطبيعة المحيطة بنا، فهي جزء من حياتنا ومن تاريخنا العمري، وكل شجرة لنا معها حكاية، لكن هناك أشخاص ضعيفو النفوس يقومون مع تجار جشعين بتقطيع الغابات، وهناك أشخاص يقومون بالتحطيب كمصدر عيش فعلاً.

تنمية المجتمع الريفي
بينما رأى مدير فرع المنطقة الساحلية لدعم وتنمية الإنتاج المحلي والصادرات علي عباس أن السياسات الزراعية افتقرت إلى إعداد خطط وإدارة ناجحة للغابات تساهم في تنمية المجتمع الريفي، فقد اعتمدت من جهة على الصنوبر البري بشكل أساسي في حملات التشجير بدلاً من أشجار الخروب والغار والزعرور والبطم والقطلب والبندق، التي تساهم بشكل كبير في بناء اقتصاد حراجي تنموي للمجتمعات الريفية المجاورة للغابات، التي هي أقل تأثراً بالحرائق من الصنوبر البري.
وأضاف عباس: ومن جهة أخرى، لم تقم وزارة الزراعة باعتماد موازنة خضراء فهي تقدر دائماً خسائر الحرائق بوحدة المساحة وليس بالليرة السورية، أليس هناك فرق بين (1000) هكتار التهمتها الحرائق تتضمن أشجاراً بعمر (10) سنوات، و(1000) هكتار تتضمن أشجاراً بعمر(50) أو (100) سنة؟
وبيّن عباس أن الإسراع في وضع موازنة تقديرية خضراء للغابات يساهم في تقييم وقياس وضع الغابات بشكل حقيقي، وفي إدخال الاقتصاد الحراجي والغابات في الاقتصاد الكلي للدولة.
خطة استراتيجية جديدة
وعن موضوع حماية الغابات والحراج من ظاهرة التحطيب الجائر والتفحيم غير النظامي والحرائق، أوضح المهندس منذر جميل خيربك مدير الزراعة في اللاذقية أن المديرية وضعت استراتيجية العمل الجديدة والجرد الحراجي، وذلك من خلال تقسيم شعب الحراج إلى قطاعات وفق مخططات حسب المخافر الحراجية، وحسب طبيعة وكثافة ونوعية الغطاء النباتي وتضاريس الموقع والمسطحات المائية والطرق العامة، والتجمعات السكانية والمساحة، حيث بلغت أعداد القطاعات (22) قطاعاً، وتحديد عامل فني ومعاونه لكل قطاع وهما مسؤولان عن إدارته والإشراف عليه، وتنفيذ خطة الحماية الذاتية له مع إيلاء الاهتمام الأكبر للمواقع الأكثر حساسية، خاصة الغابات الصنوبرية والمحميات الطبيعية، ولكن خلال الوضع الراهن فإن بعض تلك القطاعات والمقاسم غير مفعل بسبب الظروف الأمنية، حيث قسمت هذه القطاعات إلى (94) مقسماً ضمن خطة متكاملة لإدارة وحماية الغابات ومكافحة الحرائق في حال حدوثها وفق الإمكانات المتوافرة، وقد حدد لكل مقسم عامل فني مسؤول عنه مسؤولية مباشرة في تنفيذ خطة الحماية.
إجراءات وقائية
وأضاف م. خيربك: لقد بدئ العمل بهذه الاستراتيجية بدءاً من جرد محتويات بعض المقاسم الحراجية، بهدف معرفة عدد الأشجار وأنواعها وأقطارها والمخزون الخشبي ضمن كل مقسم، وتالياً الحصول على بنك معلومات لكل مقسم.
وأردف قائلاً: إن المديرية اتخذت إجراءات وقائية للحد من الحرائق حيث قامت بترميم الطرق الحراجية، وخطوط النار بطول (2000) كم خلال عام 2017، وأيضاً قامت بشق طرق حراجية جديدة لمختلف المناطق الحراجية حسب أهمية كل موقع، حيث إن الخطة (16.5) كم موزعة على شعب الحراج، ودعم مراكز حماية الغابات بأعداد إضافية من العمال الموسميين خلال موسم الذروة، إضافة لتشكيل مجموعة من فرق التدخل السريع في المناطق الحراجية ذات الخطورة المرتفعة، حيث إن مهمة هذه الفرق هي إيقاف الحرائق في حدودها الدنيا، من خلال سرعة التدخل، وعدد هذه الفرق ومراكز الحماية (19)، وأيضاً تنظيف جوانب الطرقات العامة وتحت شبكات التوتر الكهربائي من الأعشاب والنباتات القابلة للاشتعال، وتوسيع دائرة المشاركة من خلال التعميم على كل العاملين في مديرية الزراعة ومسؤوليتهم الكاملة في حال نشوب أي حريق للتدخل أو الإبلاغ عنه.
وتابع: ومن الإجراءات توزع الآليات الهندسية في مواقع الغابات حيث تنفذ خطة الترميم والشق المقررة، إضافة لأفضلية القيام بأعمال الاستصلاح للأراضي الزراعية المجاورة للغابات في فصل الصيف، وذلك للاستفادة منها في إخماد أي حريق يحدث في تلك المواقع، وتوزيع سيارات الإطفاء لدى المديرية على المواقع الحراجية، حيث بلغ عددها (32) سيارة إطفاء، و(3) صهاريج مياه تزويد، ووضع (15) جراراً مع مقطورات المياه والمضخات لاستخدامها كإطفائية مع الفرق الميدانية في بعض المواقع البعيدة والحساسة، وقامت المديرية أيضاً بتزويد فرق الإطفاء بمضخات ظهرية لاستخدامها في المواقع التي يصعب وصول الآليات إليها حيث أثبتت فعالية كبيرة ومجدية في بداية الحرائق، ونوه م. خيربك بأن هذه المضخات قليلة وكثيرة الأعطال ولاتتوفر قطع تبديل لها وعددها (35) مضخة.
ضبوط لمجهولين ومعلومين
وبيّن م.خير بك أن عدد الحرائق الحراجية خلال عام 2016 بلغ (254) حريقاً على مساحة (364) هكتاراً، حيث انخفضت إلى (100) حريق في عام 2017 على مساحة (95) هكتاراً، أما عدد الحرائق الزراعية فقد بلغ بالعام 2016 (1050)، وفي عام 2017 كان (692) حريقاً.
وذكر أن عدد الضبوط الحراجية في جميع الحرائق الحراجية خلال العام الماضي كان (22) ضبطاً بأسماء معلومة، و(5) ضبوط بحق المؤسسة العامة للكهرباء، و(6) ضبوط حيال المجموعات الإرهابية المسلحة، أما بقية الحرائق فهي مجهولة حتى يتم التعرف على الفاعلين.
أشجار ضد الحرائق
في حين أشار المهندس باسم دوبا- رئيس دائرة الحراج في مديرية الزراعة في اللاذقية إلى أن خطة التحريج الاصطناعي المقررة لموسم 2017-2018، تبلغ مساحتها (715) هكتاراً، بعدد غراس يتراوح مابين (200) إلى (225) ألف غرسة، وهي من الأنواع المقاومة للحرائق كالغار والخرنوب، والأنواع ذات الجدوى الاقتصادية كالصنوبر الثمري بزرع (150) ألف غرسة.
وأكد أنه تم تنظيم الضبوط اللازمة بحق المخالفين للحراج ويحالون إلى القضاء المختص، وتصادر المواد وتحجز السيارات، أما فيما يتعلق بعناصر الضابطة الحراجية فيبلغ عددهم (132) في (28) مخفراً، وهو عدد قليل جداً بمساحة حراج تبلغ (85000) هكتار،حيث تشكل 37% من مساحة المحافظة.
وتابع: إن قانون الحراج يسمح للمواطن القاطن بجوار الحراج الاستفادة منها بحدود الحاجة الشخصية، بالتعاون والتنسيق مع الشعب الحراجية بالمنطقة، والمطلوب من المواطن الحفاظ على الحراج لاستمرارية عطائها وعافيتها.
وأضاف: في عام 2017 توفر لدى دائرة الحراج في مديرية الزراعة (400) طن من الأحطاب الناتجة عن بقايا الحرائق وتقليم وتربية الغابات وهي في حالة سليمة،حيث تم تحديد سعر طن الصنوبر بـ (25) ألف ليرة سورية، بموجب قرار رقم (244) من قبل وزارة الزراعة، والمديرية بطور إرسال مذكرة للوزارة لإمكانية خفض قيمة الطن لـ 50% لأسر وذوي الشهداء.
مواصفات
وقال رئيس دائرة الحراج: إن ما يخص موضوع التفحيم لدينا مفحمة تابعة لمديرية الزراعة بموقع (الكرس) بالحفة، حيث تعمل الورشة على تقليم الأشجار الحراجية وتفحيم نواتج التقليم، وتنتج (6) أطنان و(555) كغ، وخمس مفاحم خاصة مرخصة من قبل المديرية، حيث تستخدم فقط الأحطاب الزراعية الثمرية مثل (الليمون- الزيتون- المشمش- الدراق) وبعض الأشجار الأخرى التي يمتلكها المجتمع الأهلي، وهي جذوع وأغصان ناتجة عن تقليم وتطعيم أو منتهية العمر الإنتاجي، حيث تُراقب عمليات نقل الأحطاب من الأراضي الزراعية إلى مواقع التفحيم المرخصة، ويبلغ إنتاج هذه المفاحم الخمس ما يقارب (500) طن في السنة. ونوه بأن فحم الأركيلة له مواصفات خاصة وهو خصيصاً من شجر السنديان ونسبة استهلاكه من الأشجار الأخرى قليلة جداً، وما نراه من فحم سنديان هو إما مستورد أو مهرب، ولقد صادرت مديرية الزراعة في عام 2017 أكثر من (6) أطنان فحماً مهرباً معداً لفحم الأركيلة، وتقوم المديرية بعد ذلك بإعلان لبيعه عبر مناقصة وفقاً للأصول المتبعة لبيع المصادرات، وبلغ عدد مخالفات القطع الجائر والتفحيم (71) مخالفة، وعدد الضبوط المخالفة من قطع وتحطيب (233) مخالفة. وأشار إلى أنه يتم تنظيم ضبوط بالمفاحم المرخصة إذا خالفت الشروط فمثلاً تمت مصادرة كمية (5) أطنان من الفحم الجاهز للاستهلاك بسبب تأخر صاحب المفحمة الخاصة بترحيل الكمية للاستهلاك، وأحيل الموضوع للقضاء أصولاً.

طباعة